Posts Tagged ‘لاجئ’

To the refugees and those of whom recognition as humans is pending for a recognised booklet called “passport”

إلى اللاجئين و أولئك الذين يحتاجون إلى “جواز سفر” حتى يتم تمييزهم كبشر

image

 Portrait of a Refugee… بورتريه لاجئ by Ameen M. on Flickr.

Just follow this link to see and comment on this photo:
https://flic.kr/p/pBmz5Y

الزمان: ليلة من ليالي منتصف شهر آب 2014

المكان: رحلة الباص من كيليس إلى غازي عنتاب

مألوفة جداً أصبحت اللهجات السورية المختلفة في وسائل النقل العام جنوب تركيا.

أثناء عودته من كيليس إلى غازي عنتاب بالباص، يقص فادي جزءاً من حديث دار بين مقيم سوري في تركيا و واصل جديد (أو لاجئ بالأحرى) من حلب “المحررة”. وفي الرواية أن هذا الفارّ من “المحرر” ذهب ليصلي الظهر جماعة في المسجد فتلقفه أحد المسلحين الواقفين بالباب وقال له: “ما شفناك اليوم بصلاة الفجر. إذا بتعيدها بتتحول ع المحكمة الشرعية”

تمّت.

الزمان: منتصف شهر آب من عام 2014

المكان: رحلة الباص من غازي عنتاب إلى كيليس في تركيا

يروي فادي  أنه رافق خلال رحلته من غازي عنتاب إلى كيليس شابين كان يبدو أنهما مقاتلان سوريان و رجلاً في آخر عقده الخامس. دار حديث الشابين في مجمله حول ظروف الناس في الداخل و أصدقاء مصابون أو رحلوا. طال الحديث مدة الرحلة، و قبيل الوصول أضاف الرجل الخمسيني جملة واحدة كانت: “يا ابني إذا الواحد بيحمل عصاي تلت سنين بتهلك إيده. كيف إنتو حاملين بواريد تلت سنين؟ هيك ما عاد يمشي الحال، بدها حل…”

كامل التراب الوطني

للمرة الأولى منذ عام 1947 اتفق العالم بالأمس على اسم للأرض “المتنازع عليها” والتي تتوزع على بقعتين منفصلتين تشكلان 22% فقط من أرض فلسطين

فمنذ إصدار قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947، والذي نص على إقامة دولتين، يهودية وعربية على أرض فلسطين، لم يعترف العالم إلا بالدولة اليهودية التي أطلق عليها اسم “إسرائيل”، بينما بقي الجزء الآخر بلا هوية، لا يبالي أحد باستباحته لبناء امتدادات للدولة الدخيلة.

كل ذلك، بالطبع، لا يعني أي شيء لانتمائي لفلسطين، فلسطين كلها بجليلها وبحرها وضفتها وغزتها ونقبها وكل حبة تراب فيها.

ولكن، ومع بالغ الأسف، فإن الانتماء والتمسك بالتاريخ وحدهما، على أهميتهما كسلاح، لا يعيدان أرضاً ما زال العالم بأسره- بشرقه وغربه وقبلهم جميعاً بعربه- يبيعها شبراً شبراً منذ نهايات القرن التاسع عشر.

لم يكن مستغرباً أن تفجر خطوة ذهاب السلطة الفلسطينية ممثلة بأبو مازن إلى الأمم المتحدة، لانتزاع الاعتراف بدولة فلسطين، كل ذلك الجدل بين شرائح المجتمع الفلسطيني المختلفة في الداخل والشتات وحتى ضمن صفوف الفصيل الواحد. ولعل أبرز الملاحظات التي سجلت على الأداء الفلسطيني خلال هذه الفترة هو ما وصف بأنه تخلي فصائل المقاومة الفلسطينية عن الثوابت الوطنية في وتنازلها عن أرض فلسطين المحتلة عام 1948. والمقصود هنا بالطبع حركة حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اللتين دعمتا تحرك السلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة، بينما استمرت حركة الجهاد الإسلامي على موقفها الرافض لتسمية أي دولة قبل تحرير كامل الأرض.

بمعنى آخر، ترى شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني أنها خذلت من قبل المقاومة التي رضخت أخيراً إلى اتفاقية أوسلو التي تشرّع وجود إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، وقبلت بأرض محدودة مفتتة على بعض أراضي الضفة وغزة.

لست هنا بالطبع في معرض الدفاع عن حماس أو الجبهة الشعبية أو مهاجمة أي فصيل آخر، ولكنني أؤمن بأن علينا أن نتحلى بالإنصاف في قراءة المواقف. فالفصائل التي دعمت توجه السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة لانتزاع الاعتراف الدولي، لم توافق بالضرورة على اتفاقية أوسلو ولا يعني ذلك الدعم بأية حال من الأحوال الاعتراف بشرعية إسرائيل بتاتاً. وإنما أرى ذلك في إطار تثبيت الحق الفلسطيني على يمكن في اللحظة الراهنة لتأمين ظروف عمل أفضل لتحقيق التحرير.

ولعل البعض يرى في هذا المنطق نفس النهج الذي انتهجه أبو عمار في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والذي لطالما عارضته الفصائل بسببه علماً أنها قد تبدو سائرة على ذات الخطى الآن.

لا شك ان الفصائل التي لم تكن قد انخرطت بعدُ في العمل السياسي تمتعت في السابق بقدر من الرفاهية التي تستطيع من خلالها تسجيل مواقف أكثر جرأة وثورية، إلا أنها أصبحت اليوم أكثر “براغماتية” وتحفظاً تجاه بعض من مواقفها السابقة تلك.

إلا أنه يجب تسليط الضوء على فرق جوهري واضح بين اتفاقية أوسلو من جهة وبين تثبيت (أو بالأحرى استرجاع) الحق الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 من جهة أخرى. ذلك أن الموقف الأخير كما ينكر استمرار احتلال إسرائيل لأراضي الضفة الغربية، لا يعطيها الشرعية للبقاء على الأراضي المحتلة عام 1948 بتاتاً. ثم إن هذا القرار إن استثمر بالشكل الصحيح يمكن أن يرفع عن الفلسطينيين وزر أوسلو التي ما هي إلا اتفاقية بين فئتين متنازعتين، في حين أن القرار الجديد يمثل شرعية دولية وبالتالي مرجعية أعلى بسقف أعلى للفلسطينين.

وفي ضوء ما تقدم، لا أجد سبباً يمنع الفلسطينيين من الاستفادة مما يقدمه هذا الاعتراف من نفع تناولته العديد من المقالات الصحفية والمراجعات القانونية والتي يتلخص أهمها فيما يلي:

– إن الأرض الغير مسماة دولياً والتي لازالت تتقلص بفعل الاحتلال والاستيطان منذ بدايات هجرة اليهود إلى فلسطين برعاية الإنكليز والعرب، تعود اليوم بأثر رجعي لتتوقف عند حدود 1967 باعتراف الأغلبية الساحقة من الإنسانية. نعم ليست تلك الأرض كل فلسطين، ولكنها فلسطين لا شك.

-كما يجب أن يضع اعتراف العالم بدولة فلسطين حداً لاستباحة إسرائيل لحريات الفلسطينيين و اعتقال من شاءت منهم (غالباً بتنسيق مع السلطة الفلسطينية للأسف) على خلفية اتهامات جنائية وإرهابية باطلة. فمن خلال الاعتراف الدولي يكتسب الأسرى الفلسطينيون صفة أسرى الحرب، ما يعزز أحقيتهم في الاستمرار بمقاومة الاحتلال باعتراف القانون الدولي.

– أضف إلى ذلك أن باستطاعة دولة فلسطين الآن الانضمام إلى محكمة العدل الدولية واللجوء إليها في قضايا الاغتيالات والاستيطان والجدار العازل ناهيك عن جرائم الحرب التي ترتكب في غزة بين الحين والآخر. وبالرغم من تعهد محمود عباس بعدم الذهاب إلى محكمة العدل الدولية لتقديم شكاوىً في قضايا سابقة، إلا أن هذا التعهد لا يلزم سواه، أي يلزم شخصه فقط، ولا ينسحب ذلك على الحكومات القادمة التي سينصبها الربيع الفلسطيني القادم لا محالة.

– ثم إن في تثبيت الاعتراف بدولة فلسطين ضمن حدود 1967 تأكيد اعتراف كل من ساند القرار بأن القدس عاصمة لدولة فلسطين وليست عاصمة إسرائيل بأي حال من الأحوال. والكل مدعوون الآن إلى افتتاح سفاراتهم في القدس الشريف لتثبيت هذا الاعتراف. وفي هذا سحب للبساط من تحت قدمي إسرائيل التي تشكل لها القدس حجر الأساس، فإن هي خسرته، انهيار كيانها كله.

كان هذا فيما يتعلق بإيجابيات القرار رقم 195 أما على الجانب الآخر، فلا يمكنني أنكر على المتخوفين من تغير موقف المقاومة على الإطلاق. فكل تلك التخوفات مشروعة وفيها من الواقعية الشيء الكثير، فنحن شعب نالت منا خيانة القريب والغريب كثيراً، وعندما لم تكن كارثتنا في الخيانة، كانت في سوء الإدارة واضطرار بعض القيادات في بعض الظروف القاهرة للرضوخ لضغوط مختلفة والانحدار في مهاوٍ كانت معروفة النتائج مسبقاً، ولكنها للأسف كانت أقرب للحتمية.

ولذلك فإن أكثر الضرورات حتمية اليوم، هي استمرار ملاحقة الشعب الفلسطيني لكافة قيادات الفصائل بالنقد والأسئلة الملحّة ومراجعة المسار لضمان تحديد الهدف الرئيس بعنوان: استرجاع كامل فلسطين من البحر إلى النهر، بدون أي مواربة أو تواطؤ.

وأنا كغالبية الفلسطينيين، لست منحازاً إلى أي فصيل. انحيازي الوحيد لم يكن يوماً ولن يكون إلا لفلسطين الوطن، و لن تحظَ أي قيادة لا في فلسطين ولا خارجها بإيماني المطلق. فليس أهلاً لذلك الإيمان إلا شعبي الفلسطيني العظيم الذي أثق به وبقدرته على الاستمرار. فشعب يواصل المسيرة عبر كل ما مر به لم يكن ليستمر لولا أنه -لسبب بسيط- فلسطيني. كان حرياً بشعب آخر أن ينقرض وتندثر هويته لو مر بعشر ما مر به الفلسطينيون، ولا أبالغ.

إلا أنني أعتقد أنه آن للفلسطينيين الآن أن يأخذوا زمام المبادرة ويطلقوا خطوط نضالهم على الجبهات السياسية والعسكرية في آن معاً. فالعالم كله لن يستمر في دعم الكيان الصهيوني إلى الأبد، ولا أدل على ذلك إلا حقيقة أن سبع دول فقط (غالبيتها صغيرة جداً وكلها تابعة بالمطلق لأميركا) إلى جانب إسرائيل وأميركا قد عارضت القرار وهو ما يشي بتغير المشهد الدولي و ازدياد العزلة التي تعانيها إسرائيل أكثر فأكثر حتى في أوروبا.

لا يمكن لأحد في العالم أن يمنعنا من امتلاك وتطوير سلاح المقاومة طالما أن لنا أرضاً محتلة. كما لن يستطيع أحد أن يمنع الساسة الفلسطينيين (إن صدق منهم العزم) من مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية. ولكن العالم كله بشرقه وغربه، ديمقراطييه وديكتاتورييه بل و حتى إسلامييه، و ربما القاعدة أيضاً على طريقتها، سيحاربون الفلسطينيين إن هم قرروا تحرير فلسطين دفعة واحدة (في حال امتلاكهم للإمكانيات يوماً ما).

وختاماً، لا أعتقد أن هذا الاعتراف تثبيت لخسارة الفلسطينيين 78% من أرضهم. كما أنه أبعد ما يكون عن انتصار بالمعنى المطلق للكلمة. إنما هو مكسب حقيقي (إذا ما حسُن استغلاله) و يفرض على الفلسطينيين العمل بجدية أكثر لتحقيق المزيد من المكاسب السياسية والحقوقية والعسكرية من خلال كل ما هو متاح من منصات عمل ليست المفاوضات أياً منها بالطبع. فهاهو التاريخ يثبت لنا أن الخطوات الأحادية الجانب هي وحدها التي تثمر في النهاية.

فلسطين الحبيبة… لك مني مبروك “حذرة”

ناجي

مقدمة

من المعلوم أن زيارة اللاجئين الفلسطينيين على تنوعهم -سوريين، لبنانيين، أردنيين- لمصر كانت من أشباه المستحيلات أيام مبارك. إلا أن هذه الصورة بدأت تتغير بعد الثورة المصرية فبدأنا نرى الكثير من الفلسطينيين يترددون على مصر بكثرة للقاء أهلهم القادمين من خارج مصر أو لزيارة أصدقاء أو لمجرد رؤية ذلك البلد الذي لطالما تاقوا لرؤيته وحرمهم ذلك النظام السابق. أضف إلى ذلك مئات الفلسطينيين، إن لم نقل الآلاف، الذين عبروا إلى ليبيا عن طريق مصر بحثاً عن لقمة عيش. كل ذلك كان يحدث دون أن نسمع أن أحداً من أولئك منع من الدخول أو العبور لأي سبب كان.

وبالفعل، كنت أنا أحد أولئك الفلسطينيين اللاجئين الذين زاروا مصر أوائل شهر أيلول (سبتمبر) من هذا العام أي قبل حوالي شهر من تاريخ كتابة هذا المقال. وجدير بالذكر أنه قد تمت معاملتي على أني لاجئ فلسطيني وليس كسوري. ففي بطاقة الدخول المرفقة مع جواز السفر (الوثيقة بالأحرى) كنت قد كتبت في حقل الجنسية: سوري لتلافي أي سوء فهم ناتج عن إدراج الجنسية كـ: فلسطيني وتقديم جواز سفر باسم (الجمهورية العربية السورية) فلطالما كانت هذه المعلومة مكان جدل في كافة معاملاتنا حيث أننا في الحقيقة لسنا فلسطينيين ولا سوريين. إلا أن موظفة الجوازات رأت أن تكتب كامل الشرح المتعلق بالجنسية وشطبت “سوري” واستبدلتها بـ “فلسطيني-سوري وثيقة”.

أما عند الخروج، فقد قدمت جواز سفري مرفقاً ببطاقة المغادرة وكنت قد ملأت حقل الجنسية فيها بـ فلسطيني سوري. فأضافت موظفة الجوازات إلى ذلك كلمة (وثيقة). وختمت لي الجواز وغادرت دون أي استجواب يذكر. وفيما يلي أختام الدخول والخروج التي حصلت عليها.

Image

ختمي الدخول والخروج إلى مصر في زيارة سابقة

كانت هذه المقدمة ضرورية للقارئ لفهم مجريات احتجازي وترحيلي من مطار القاهرة في زيارة لاحقة. وإليكم التفاصيل فيما يلي

الوصول

هبطت الطائرة في مطار القاهرة الدولي حوالي الساعة 12:20 بعد ظهر يوم التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري واتجهت بصحبة ابن عم لي إلى نافذة مراقبة الجوازات حيث أخذت جوازاتنا للتدقيق وانتظرنا ريثما يصدر القرار. وهو ما لم يحصل معي في المرة السابقة.

على أية حال، نودي على أسمائنا ودعينا إلى مكتب الأمن الوطني ضمن قسم الحجز ورافقنا أحد الموظفين الذي همس لي: “إحنا عاوزين نسهل أموركو وإن شاء الله الموضوع بسيط. بس إنت زبطنا و احنا نزبطك.”

فهمت ما وراء الرجل وأنه يشير إلى أنني إن رشوتهم فأموري ستسير بسلاسة. ولكنني كنت مفرطاً بالتفاؤل وظننت أن مصر اليوم غير مصر البارحة، فلم أعر الرجل أي اهتمام.

التحقيق

Image

رسم تقريبي لقسم التحقيق والحجز في مطارة القاهرة الدولي

 بدأ التحقيق مع ابن عمي أولاً لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة ثم نوديت أنا لتنهال علي الأسئلة حول غرضي من زيارة مصر ومدة إقامتي ومكانها وكيفية دخولي في المرة الأولى.

كانت إجاباتي كلها من خلال ما قدمت من أوراق لتذكرة العودة خاصتي والحجز الفندقي. ثم تناول النقاش موضع عملي وإقامتي في دبي وطبيعة عملي  وموضوع إقامتي في أستراليا بطريقة مستفزة حاول المحقق من خلالها أن يظهر أنه “قد توصل إلى فك شيفرة المعسكرات المتآمرة التي تقف ورائي”.

عملت على الحفاظ على هدوء أعصابي قدر المستطاع فاستفزه ذلك وأخذ يهددني بأنه سيبحث في دخولي الأول “غير القانوني برأيه” إلى مصر.فكان الحوار التالي:

المحقق: إن دخولك في المرة الأولى مخالف للقانون.

أنا: كيف يكون دخولي مخالفاً للقانون وقد دخلت وغادرت من المطار وعلى جواز سفري ختمان نظاميان؟

المحقق: هذا خطأ وقع فيه موظفونا وسنحاسب من أخطأ منهم، ولكن هذا لا يمنع في الحقيقة أنك دخلت مخالفاً للقانون. قد يكون الخطأ الذي وقعنا فيه أننا عاملناك كسوري غير منتبهين إلى أن ما تحمله هو وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين وليس جواز سفر.

أنا: اعذرني ولكن الوصف غير دقيق. يمكن أن تعود إلى سجلاتكم لترى أن بطاقتي الدخول والخروج في المرة الماضية كتب عليهما بخط يد موظفيكم كلمة (وثيقة). أي أنهما انتبها لها ولم يعاملاني كسوري.

ضابط الأمن: كل هذا لا ينفي حقيقة أنك دخلت مخالفاً للقانون

عند هذه النقطة لم يعد للجدال أي نفع ولم يكن من المفيد أن أعدد عشرات القصص عن فلسطينيين – سوريين دخلوا وخرجوا بكل سلاسة ودون أي منغصات كتلك التي كانت تحدث معي.

بعد خمس دقائق من خروجي من مكتب الأمن الوطني جاء القرار بترحيلي والسماح لابن عمي بدخول مصر مع العلم أنه طالب و ليس لديه أي حجز فندقي ولا حتى تذكرة عودة علماً أنه أفاد في التحقيق أنه قادم معي وليس لديه من يستقبله في مصر.

الخلاصة أن ضابط الأمن رأى في ابن عمي (الطالب) شخصاً لا يمكن الاستفادة منه في شيء فسمح بخروجه بينما احتفظ بصيده الثمين الذي أتى بكل ما يلزم لرحلة سائح والذي يعمل مديراً للمبيعات في شركة في دبي، الأمر الذي أوحى له بأني الشخص المناسب لأدفع دية خروجي التي يفرضها هو.

غادر ابن عمي بسلام وبدأ الشرطي بملء أوراق ترحيلي قاصداً أن يستغرق كل وقته في ذلك لكي يمنحني الفرصة لأدخل أترجى ضابط الأمن ليخرجني فأدفع للجميع ما يريدونه.أكثر من ساعة ونصف قضيتها دون أن يخبروني متى ستكون الرحلة القادمة التي من المفترض أن أستقلها عائداً إلى دبي. حتى فقدوا الأمل من مراجعتي في النهاية وأمروني بتسليم متعلقاتي والدخول إلى مهاجع الحجز.

الكاميرا والهاتف

طلبوا مني تسليم أجهزتي الخلوية  فأخبرتهم بأن لدي حقيبة الكاميرا أيضاً وهي كاميرا احترافية مع بعض العدسات، فكان الحوار التالي:

الشرطي: أين أجهزتك الخلوية؟

أنا: أريد أن أجري بعض الاتصالات أولاً حتى أخبر أصدقائي بمكاني، ولكنني أريد شحن رصيدي حتى أقوم بذلك. فهل يمكن للسيدة التي تحضر الطلبات للمحتجزين أن تحضر لي بطاقة شحن؟

الشرطي: بطاقة شحن؟؟؟ أنت محتجز. انسى الموضوع

أنا: ولكنني لست مجرماً ومن حقي أن استخدم هاتفي حتى ولو كنت سجيناً بعرفكم

الشرطي: أرجوك لا تضيع وقتنا

أنا: لا حول ولا قوة إلا بالله. حسناً إذا. هذه أجهزتي الخلوية وهذه كاميرتي، مشيراً إلى الحقيبة الكبيرة على ظهري

الشرطي: هذه كلها كاميرا؟؟؟

أنا: نعم. أنا هاوي تصوير

الشرطي: طب افتح افتح

أنا: تفضل

الشرطي: وما هذا كله؟؟؟

أنا: الكاميرا وبعض العدسات

الشرطي: يعني إيه عدسات؟

أنا: عدسات للتصوير. كل عدسة لها اختصاصها

الشرطي: يعني العدسة دي بتصور لحالها بدون الكاميرا؟

أنا: أكيد لأ حضرتك

الشرطي بنظرة خبيثة تنم عن غباء مفرط مطلي ببعض الذكاء: إنت جاي تصور في التحرير؟؟؟ دلوقتي عرفنا الحقيقة

نادى الشرطي هنا على ضابط الأمن ليرى “المصيبة” التي أحملها

ضابط الأمن: اي ده اي ده؟؟؟

فأعدت شرح قصة الكاميرا وعدساتها

ضابط الأمن: إنت بتصور إيه يعني؟

أنا: مناظر طبيعية ومعمار وما إلى ذلك

ضابط الأمن: أيوه عارف بس جاي تصور إيه هنا؟

أنا: أتيت أصور بلدكم الجميل

ضابط الأمن مع نظرة أخت تلك التي وجهها إلي الشرطي قبل لحظات: أيوه أيوه.

أنا: إن أردت يمكنني أن أريك عينات من تصويري

ضابط الأمن: لا لا. أنا ما اعرفش في الحاجات دي

بدأ بعدها الضابط بتفحص محتويات الحقيبة التي وضعت فيها كل ما يلزم لإقامة يومين من ملابس وعطر وشواحن وما إلى ذلك.

ضابط الأمن: إي ده السوائل ده؟؟؟؟؟

وكأن عبوة ناسفة على وشك أن تتفجر

أنا: هذه عطور (حرصت أن آخذ عبوات صغيرة جداً حتى أتمكن من اصحابها إلى الطائرة)

ضابط الأمن: عطور، ها؟؟؟

هنا أحب الشرطي أن يطربنا بمداخلته فقال لضابط الأمن: والله إني مسرور منكم اليوم. فقد قبضتم على هذه الأشياء

ضابط الأمن بانتشاء فاتحي روما: نعم

وهنا كانت حقيبة الكاميرا بكل محتوياتها فرصة جديدة لابتزازي قبل دخولي مهجع الحجز.

وقبل أن أغادر، اعطيتهم ستاند الكاميرا فسألوني: وما هذا؟

أنا: ستاند للكاميرا.

الشرطي والضابط معاً: وستاند كمان؟؟؟!!!

الحجز

أخذوا الكاميرا وأجهزتي الخلوية وسمحوا لي باصطحاب حقيبة العدسات مع تهديد بتحطيم كل محتوياتها إن رؤوا شيئاً منها يخرج من الحقيبة داخل الحجز.

دخلت إلى غرفة الحجز التي لا تصلح بالطبع لإقامة البشر، وفقط حينها أخبروني أن أول رحلة متاحة إلى دبي قد تكون في اليوم التالي، ويمكنني أن أغادر عليها “إن توفر عليها أي مقاعد”. ما يعني أنني كنت سأبقى في الحجز يوماً على أقل تقدير إلى أن تتوفر مقاعد في رحلة قادمة. وببساطة قد لا تتوفر هذه الرحلة حتى أدفع لهم الرشوة التي يريدون.

حرص ضابط الأمن أن يريني وجهه بين الحين والآخر حتى يدفعني لأطلب منه أن أطلب منه إخراجي.

في النهاية طلبت مقابلته ففعل:

أنا: في حل يا حضرة الضابط ولا لأ؟

ضابط الأمن بمنتهى الخبث: إنت قلي بس عايز تصور إيه وأنا هساعدك

أنا: ولكنك رفضت إدخالي قبل أن تعلم بقصة الكاميرا من أساسها. فما علاقة هذا بذاك؟

ضابط الأمن: طب استنى استنى.

بعدها بخمس دقائق طلب مني الشرطي أن أتوجه مجدداً إلى غرفة الاحتجاز.

عدت لبعض الوقت ثم تحدثت إلى الشرطي بمحاذاة نافذة الاحتجاز

أنا: إن كان لا بد من ترحيلي إن كان الأمل معدوماً بدخولي فاسمحو لي بأن بأن أحجز تذكرة عودة على حسابي اليوم فلا أريد أن أقضي اليوم هنا. خلص شفناكو بخير

الشرطي: هتحجز على حسابك؟

أنا: نعم، أريد أن أرحل

الشرطي: يعني أهو!!! معاك فلوس!!!

أنا: نعم طبعا معي فلوس (لا حول ولاقوة إلا بالله)

البحث عن رحلة

اضطررت في النهاية لدفع مبلغ من المال (المبلغ سخيف نوعاً ما، ويوحي بمدى رخص كل تلك العصابة) حتى أستطيع أن أخرج بصحبة أحد أفراد الشرطة لنبحث عن رحلة إلى الإمارات في نفس اليوم.

صاحبني الشرطي إلى مكاتب الطيران لنجد رحلة فحجزت واحدة تطير إلى أبوظبي مساء اليوم نفسه. دفعت ثمن البطاقة ولكن الشرطي احتفظ بها وبجواز سفري وقال لي أنه سيعيدهما لي حال أن ننتهي من إجراءات الترحيل.

شعرت للحظة بالأسى على هذا الشرطي الفقير الذي اضطر لمرافقتي كل ذلك الوقت لنجد رحلة مناسبة. فسألته عن اسمه لأشعره بشيء من الارتياح له. خطر لي وأنا أسأله أنه سيعطيني اسماً وهمياً خشية أن أقدم شكوى ضده وضد زملاءه. ولكنه وقبل أن يرتد إليه طرفه أجاب: حسين. فلم يترك لي مجالاً للشك بأنه صادق.

عند عودتي إلى قسم الحجز طلبت جواز سفري فكان جواب الشرطي: “أدخل جوا أحسن لسا احنا فيها ومش هنخرجك”

أدخلوني بعد ذلك مجدداً إلى الحجز و إذا أتفاجأ بأن كل من القسم ينادون ذلك الشرطي الذي ظننته (حسين المسكين) بـ (علي)!!! أي احتراف هذا للنصب والاحتيال؟!

بقيت في الحجز لساعتين أو أكثر حتى آخر لحظات قبل مغادرة الطائرة عند الساعة الخامسة مساءً حين أوعزوا لي بمرافقة علي (الذي كنت أظنه حسين) إلى باب الباص الذي يأخذنا إلى الطائرة. وحين طلبت جواز سفري رفضوا تسليمه لي حتى أدفع رشوة جديدة. فما كان مني إلا أن غافلت ذلك الـ علي|حسين وأخذت له بضع صور حتى أوثق ما حدث. لسوء الحظ لم يكن الأمر سهلاً لألتقط  صورة واضحة ولكني استصلحت بعضها كما يلي. وأرى من الضرورة بمكان نشر صورة الشرطي حتى يتوفر مرجع لملاحقة كافة المناوبين خلال ذلك اليوم.

 ImageImage

خاتمة

لعل أشد ما حز في نفسي في النهاية هو أني خضعت لرغبة تلك العصابة واضطررت لدفع الرشوة حتى أحمي نفسي. فلولا ذلك لكان من السهل عليهم ان يرتبوا لي تهمة بالاعتداء على أحدهم أو شتم مصر والإساءة لها، ولن يحتاجوا حينها إلى البحث عن شهود، فكل من كان هناك عصابة واحدة.

 لسوء الحظ حدث كل ذلك في بلد خاض ثورة “ناجحة” وقدم شهداء ورغم كل ذلك ما زالت كل تلك الممارسات رائجة باسم الأمن.

إمعان في إذلال الناس وحرمان الدولة من عائد السياحة لسبب بسيط هو أن عصابة صغيرة احتكرت سيادة المطار وقررت أن شخصاً ما لن ينال حقه إلا بعد أن يدفع أتاوة.

ولا يعني هذا التقرير بالطبع أن لدي أي شيء ضد مصر كدولة أو ضد الشعب المصري الكريم، فهناك في الحجز كان يوجد عدد من المصريين، منهم رجل أعمال محتجز على خلفية حكم غيابي يعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي وأخبرني بأنه يحتجز عند كل دخول إلى مصر رغم سقوط القضية منذ زمن.

من المعيب أن يحتكر الفاسدون في مصر قرار الدولة بعد مضي قرابة العامين على نجاح الثورة المصرية وما يزال هناك من يقول أعطوا الرئيس و حكومته وقتاً فالإصلاح لا يأتي دفعة واحدة. ما استعرضته هنا فساد في مطار العاصمة وليس سرقة نعجة في أقاصي الصعيد. إن كانت واجهة البلد ليست أولية لدى الحاكمين اليوم في مصر فلا خير فيهم ولا بأولوياتهم.

وختاماً، أتمنى أن يأتي اليوم الذي أرى فيه الفلسطينيين يعاملون في مصر معاملة مواطني شمعون بيريس، صديق محمد مرسي العزيز*

 مصر بدها حرية.

 ————————————————-

*كما نص كتاب تعيينه للسفير المصري الجديد لدى إسرائيل

أسئلة كثيرة تطرحها ثورات الربيع العربي حول جدوى التحالفات المستقبلية ومدى صيانة تلك التحالفات للسيادة الوطنية ومصالح الشعوب الثائرة. وعلى التوازي تسعفنا الثورات المباركة بإجابات ناجعة تثبت مدى وعي الشعوب التي عانت الكثير في العقود الماضية لتستخلص أخيراً من الدروس والعبر ما يحولها من بوابات خلفية أو خادم لمصالح الحلفاء الكبار إلى لاعب أساسي محدد، معتد بإمكانياته ومستثمر حقيقي لثرواته من جهة، ورافض لأي سياسة استبدادية أو ممارسات دكتاتورية من الممثلين الجدد من جهة أخرى.

في حين ما زالت قلة من معادي ثورات الربيع العربي –ما نجح منها وما زال منها مستمراً- يخرجون علينا بين الفينة والأخرى بملاحظات وتعليقات يسلطون الضوء من خلالها على بعض الأخطاء أو السقطات التي يقع بها الممسكون بزمام البلاد المحررة حيناً وقيادات أو ممثلي الثورات الجارية حيناً آخر. فمن كانوا يتهمون الثوار بالأمس بموالاة الغرب وإسرائيل ويصفونهم بربائب فرنسا وأمريكا أصبحوا لا يجدون ما يعلقون عليه فشلهم اليوم إلا أمثلة من حالات حظر التجول المعدودة التي أعلنت في تونس ما بعد الثورةـ تونس التي انتقلت إلى من الاستبداد إلى الديمقراطية بنجاح شهد له العالم، متناسين حالات حظر الحياة التي عانتها تونس طوال فترة حكم ابن علي حتى أصبح الطلاب التونسيون المبتعثون إلى أوروبا لا يجرؤون على التكلم عن “جلالة السلطان” وشرطته مع أنفسهم ناهيك عن تجنبهم خوض نقاشات حول الموضوعات المحرمة مع أي كان. وفي ليبيا تفجرت إنسانية أولئك عند مقتل القذافي بما وصفوه “طريقة وحشية”. وأنا لا أدافع هنا بطبيعة الحال عن قتل القذافي في ذلك الموقف، فكم تمنيت أن يمثل للمحاكمة ليبوح بكل خياناته وعلاقاته المشبوهة القذرة، ولكنني أتساءل أين كانت تلك الضمائر عندما كان القذافي يقتل الآلاف من شعبه بالطائرات المقاتلة ومضادات الطائرات فيحيل الأجساد أشلاء ممزقة لا يُعرف لها اسم أو هوية. وقد رأينا جميعاً كيف تربصت تلك الفئة بالثوار الليبيين بعد إسقاط النظام البائد حتى نالوا صيدهم الثمين عندما اندلعت بعض المواجهات المسلحة المؤسفة في طرابلس، ملخصين بذلك كل إنجازات الثورة ومتجاهلين اجتيازها لتحدي المصالحة الوطنية بسلاسة أبهرت الكثير من المتخوفين من الانتشار الهائل للسلاح في أوساط مجتمع ليبيا القبلي.

وفي ذات المقام تطول القائمة في مصر واليمن وسوريا بطبيعة الحال، ففي الأخيرة على وجه التحديد حارب مناصروا النظام رئيس المجلس الانتقالي السوري الدكتور برهان غليون عندما صرح بأن سوريا الغد لن يكون لها علاقات مميزة مع إيران وروسيا وحزب الله وكل من يساهم في استمرار عمليات القتل وملاحقة المعارضين. وهو تصريح وإن اتفقنا إلى حد ما على عدم جدارة غليون بالإدلاء به  من حيث هو قرار سياسي من اختصاص البرلمان المنتخب الذي يحدد السياسة العامة للدولة إضافة إلى عدم تمتع غليون بأي صفة سياسية اعتبارية مخولة شعبياً لإقرار شيء من هذا القيبل، إلا أن ذلك يتفق منطقياً مع مصلحة سوريا وشعبها في مستقبلهم القريب. فكيف يمكن لقاتل أن يساهم في بناء مستقبل ضحيته؟ وهل تبرر “الممانعة و دعم المقاومة” قتلي بأي حال من الأحوال؟ ثم إن كيف لقاتلي أن يقنعني بأنه يحارب عدوي من خلال ذبحي؟

يتضح تماماً من خلال ما تشهده الساحة العربية مؤخراً أن زمن الأصنام قد ولى إلى غير رجعة. وأن الحليف الذي كان يتحكم بأمر البلاد أكثر من حاكمها المستبد لن يكون له في المستقبل إلا ما يضمن العائد المجزي للمالك الحقيقي للثروة؛ الشعب. فابتداءً بتونس، توازت الثورة على نظام ابن علي بغضب عارم على فرنسا واتهام شعبي لها بدعم النظام ومحاربة الثورة مما أدى إلى إحراجها دولياً في سابقة هي الأولى تضغط فيها دولة إفريقية تقع على الساحل الجنوبي للمتوسط على دولة أوربية من وزن فرنسا التي كانت ومن المحتمل أن تستمر كأهم الدول الغربية في ميزان التعاون والتبادل الاقتصادي مع بلدان المغرب العربي. أضف إلى ذلك الاتهامات العديدة التي وجهها الشارع المصري للبيت الأبيض الذي وجد نفسه في موقف لا يقل إحراجاً عن موقف فرنسا إزاء الثورة التونسية، ما اضطر البيت الأبيض في نهاية المطاف إلى دعوة مبارك إلى التنحي عن السلطة فوراً بالرغم من كل الخدمات التي كان مبارك يقدمها للغرب ابتداءً بحماية حدود إسرائيل وليس انتهاءً بتحويل مصر من لاعب أساسي على الساحة السياسية في الشرق الأوسط إلى مجرد بلد يقع على هامش التاريخ. كما لا يخفى على عاقل ومتابع الاتهامات التي ما فتئ الثوار الليبيون يكيلونها صبح مساء إلى قيادات الناتو -التي استنجدوا هم بها بالأصل- فيما يتعلق برغبة الأخير في إطالة أمد المواجهة العسكرية وعدم الجدية في الإطاحة بنظام القذافي والذهاب أبعد من ذلك إلى حد اتهام الغرب بِنية رفع فاتورة الحرب لضمان استثمارات ومكاسب أكبر في ليبيا المستقبل.

ولا شك أن أعظم وأجرأ المواقف التي اتخذت تجاه الحلفاء في إطار الربيع العربي كانت تلك التي اتخذها الثوار السوريون الذين قضوا عمرهم في دعم الحركات المقاومة واستضافة ضحايا الإرهاب الإسرائيلي المهجرين من لبنان وفلسطين. فقد أدركوا أن الرصاصة التي يقتطع ثمنها من خبزهم لن تطلق يوماً على عدوهم، وأثبتوا أنهم خير من يعلم معنى المقاومة وأعلنوها صراحةً أن لا حصانة للممانعين من أعداء أمريكا وإسرائيل إن قرر أولئك “الممانعون” محاربة المطالبين بالحرية قبل محاربة عدوهم الكلاسيكي، فكيف تستقيم مقاومة العدو بقتل الشارع المقاوم؟

أقلّب كثيراً بعد كل ذلك في تاريخ تونس ابن علي، وليبيا القذافي، ومصر مبارك، ويمن صالح، وسوريا الأسد، بحثاً عن مرة يتيمة تجرأ فيها ابن علي أن يقول “لا” لفرنسا، أو عن “لا” قذافية لإيطاليا، أو “لا” أشهرها مبارك أو صالح في وجه أمريكا، وحتماً لم أجد أي “لا” أسدية في وجه روسيا أو إيران حينما تعارضت مصالح أولئك الحلفاء (أو المستعمرون الجدد إن صح التعبير) مع مصالح الشعوب.

إن الثوار العرب اليوم لا يكتفون بالانتفاض على مستبديهم، ولا يتوقفون عند إعادة تعريف أحلافهم بما يخدم مصالحهم، بل يذهبون أبعد من ذلك ليرسموا بأيديهم مستقبلهم الذي يرضون ، فنراهم يضبطون إيقاع الحراك السياسي المرافق لحراكهم في الشارع، مصممين في مصر على المضي قدماً حتى نهاية الطريق على الرغم من كل المكاسب التي تحققت بالفعل. كما ما زالت شوارع وساحات اليمن تكتظ بملايين الثوار المطالبين بمحاكمة صالح ورفض الحصانة التي منحته إياها المبادرة الخليجية التي نجحت إلى حد ما بنتحيته عن منصبه في رئاسة الجمهورية. وفي سوريا يتابع الثوار عن كثب تصريحات وفعاليات التيارات السياسية عامة والمجلس الوطني (الممثل لأغلب أطياف المعارضة) خاصة للحفاظ على توجيه بوصلتهم بما يتوافق مع اتجاه ونبض والشارع، غير متوانين عن النيل بشدة من كل من يحيد عن مطالب الثائرين. ولعل أطرف ما رأينا في هذا السياق المظاهرة التي رفع فيها “الحماصنة” البطاقات الصفراء لبرهان غليون بعد ما ثار من ضجيج إعلامي حول الوثيقة التي وقعها الأخير مع هيئة التنسيق، في إشارة إلى استنفاذ غليون فرصة ثمينة قد يكلف تكرار مثيلها تلقيه بطاقة حمراء يخرج بموجبها من المشهد السياسي المعارض الحائز على دعم الشارع.

إن السطور التي يخطها الثوار العرب اليوم في تاريخنا تضعنا بلا شك على باب مرحلة جديدة ينصب فيها الشعب نفسه مجدداً سيداً لنفسه ومقرراً لمصيره، الأمر الذي سيفرض واقعاً جديداً في لعبة السياسة الدولية، في منطقة لا يسع العالم أن يتجاهل أهميتها، والتي تشارك فيها الشعوب العربية من الآن فصاعداً كمحدد وحيد لتحالفاتها التي تخدم مصالحها أولاً  لتكون شعوب المنطقة عامةً ودول جوار فلسطين في سوريا ومصر خاصةً لاعباً أساسياً في رسم مستقبل المنطقة بالصورة التي نريدها جميعاً وفيها فلسطين جزءٌ أصيلٌ على خارطة شرق المتوسط.

أهو النظر إلى النصف الممتلئ من الكأس يدفع المرء للاعتقاد أنه يحب السفر؟

أم أنني أحب حياة الترحال فعلاً؟

لماذا تكون الفكرة الأولى التي تشغل بالي فور وصولي في محطة ما، ’أين ستكون محطتي التالية‘؟

ماذا لو كان لي بلد يعترف بي وأستطيع أن آوي إليه حين أتعب من السفر؟

كنت قد كتبت يوماً أنني أحيى حياة من لا عنوان دائم له. حياة شخص لا يعلم متى تصله مذكرة مفادها أنه أصبح عبئاً على عنوانه المؤقت وعليه أن يرحل. هي حياتي كحياة أي لاجئ فلسطيني أتى أهله من بلاد لم نعد نسمع اسمها بعنفوانه إلى في القصائد المحرّمة. ولدت أنا و إخوتي في بلاد “الشتات” وترعرعنا هناك بين أناس لم يتركوا لنا خياراً إلا أن نحبهم اعترافاً بجميل لهم علينا. وكما أحببناهم لم نقدر يوماً أن نتجاهل حبنا لمعالم كانت أول ما أبصرته عيوننا في هذه الدنيا. أينما وُجدنا عشقنا حقولاً كنا نرى فيها حقول يافا، وساحلاً كلما داعب وجوهنا بنسائمه الرطبة ذكّرنا بسور عكّا، وعندما صلينا في مساجد عمرها التاريخ أبت إلا أن تحرك فينا شوقاً لحرم إبراهيمي محاصر حتى الاختناق ومسجد أقصىً حزين، وعند كل كنيسة نجنح بفكرنا فنزور كنيسة المهد بماضيها الضارب في بدء التأريخ وحاضرها في احتضان المقاومين الذين انتهى بهم المطاف في منافي العالم.

كان اندماجنا (النفسي) بأراضي “الشتات” أمراً حتمياً لم تحل دونه كل الدعوات المنادية إلى عدم دمج اللاجئين ضمن دائرة المواطنة لتجنب العبث بالتركيبة الطائفية أو العرقية أو العشائرية في الدول المضيفة، غير أن تلك الدعوات نجحت بالفعل في الفصل القانوني والحقوقي بين اللاجئ وبين الأرض التي يقيم عليها فلا يجرؤ بعد ذلك فلسطيني على مناقشة أعطيات البلد المضيف من منطلق أنه مجرد ضيف على تلك الأرض و من غير اللائق أن يطلب أكثر مما يتكرم به عليه صاحب البيت.

عشنا سنين، ونعيش، وفق منطق الضيف والمضيف، ولا ضير. مشكور كل من استضافنا وسامح الله كل من طردنا أو منعنا من دخول أرضه. سيادة دُولكم معتبرة وقراراتكم السياسية وخططكم المستقبلية مكان تقدير واحترام ونربأ بأنفسنا عن “التدخل” فيما تروننا غير أهل له. ولكن وبالرغم من كل ذلك فقد تمكن اللاجئون من الحفاظ على رابط وثيق مع من عاشوا وتعايشوا معهم؛ مع الناس؛ مع الشعب. تبادلوا دعوات الأفراح أحياناً والعزاء أحياناً أخرى. اختلطت لهجاتهم وتبادلت النساء وصفات الطبخ حتى غاب منطق الضيف والمضيف في العلاقة بين الناس أنفسهم وانحصر في العلاقة الرسمية بين اللاجئ والدولة.

في سوريا، عاش أبي ومن قبله جدي حربين ضد الكيان الصهيوني، وأنا بدوري عشت التوترات التي شابت علاقات سوريا مع الجوار. أذكر أزمات لبنان، أذكر تماما حرب الخليج، ولا تغيب عن ذهني أزمة المياه مع تركيا. عشت كل ذلك كواحد منكم، موقفي كان موقفكم وجرى علي ما جرى على جميعكم. كنت أظن أن ذلك كله –إذا ما أضيف إلى كوني درست مناهجكم وشاركتكم ملاعب طفولتكم وحياتكم الجامعية- يجعلني مؤهلاً إلى أن أبدي رأيي في بعض قضاياكم أو أن يسمح لي، على الأقل، بالتعبير عن مشاعري إزاء ما يحدث مؤخراً في سوريا الحبيبة.

أنا أعلم علم اليقين أنه لن يُسمح لي -بلغة الأوراق الرسمية- بأن أكون سورياً كما أن أخي الفلسطيني في لبنان لن يكون يوماً لبنانياً، ولكن … يبدو أنني أفرطت في التفاؤل والاعتقاد بأنني قد أكون واحداً منكم. كان خطأي أنه لم يساورني شك في أنكم ستقبلونني كسابق عهدكم، كأخ حرص كثير منكم أن يستشيره ويسمع آراءه حول أمور وقضايا عديدة، وكَثُر أن اختلفنا في آراءنا إلا أن ذلك لم يفسد للود قضية. غير أن الحال كان غير الحال هذه المرة، إن المتغير اليوم هو طريقة التعامل مع الرأي الآخر أو “الرأي الضيف” إن صحّ التعبير. أتفاجأ اليوم باقتحام مصطلح الضيافة للعلاقة بين اللاجئ وإخوته مواطني الدولة المضيفة. أتفاجأ اليوم عندما أطرح وجهة نظري فأواجَه بردود صريحة وضمنية ومضمرة تدور كلها حول محور “قاعد بحضنّا وعم تنتف بدقنّا”.

لا يا عزيزي، أنا لا أنتف بذقنك. أنا أتكلم فقط لأن مصلحة بلدك الغالي تعنيني كما تعنيك ولأن أي خير سيعم سوريا سيعود بالنفع علي و عليك أيضاً، ولا تنس أننا سويّة سنتحمل كل العواقب لأي شرّ قد يحدث لا قدّر الله، إلا إن قرّرتَ بالطبع أن ترسل لي مذكرة “غير مرغوب فيه” .

مضيفي الكريم…

أنا في سوريا أتمتع من حقوقك بالحقوق الإنسانية فقط من تعليم وعمل وامتلاك مسكن وما إلى ذلك، غير أنني لا أملك حقوق المواطنة التي تمتلكها (والتي لا أسعى لامتلاكها أصلاً) ولا مشكلة لدي في ذلك على الرغم من أني مكلّف بكل ما عليك من واجبات. ولكن أرجو منك في المرة القادمة، إن لم يعجبك رأيي أن تنتقده كأي رأي آخر من حيث هو رأي مجرد عن صاحبه، فربط رأيي بي بهذه الطريقة إنما يضع نهاية للحوار بطريقة غير حضارية على الإطلاق، حيث أنه يسلبني حقاً آخر من حقوقي الإنسانية ويأسر حريتي في التعبير. والأهم من هذا كله أنه يعكس ارتباكك وضعف إيمانك بما تقدمه أنت من أفكار ولن أذهب بعيداً فأقول “خيانة للخبز والملح”.

أخوك اللاجئ