Posts Tagged ‘بشار الأسد’

أسئلة كثيرة تطرحها ثورات الربيع العربي حول جدوى التحالفات المستقبلية ومدى صيانة تلك التحالفات للسيادة الوطنية ومصالح الشعوب الثائرة. وعلى التوازي تسعفنا الثورات المباركة بإجابات ناجعة تثبت مدى وعي الشعوب التي عانت الكثير في العقود الماضية لتستخلص أخيراً من الدروس والعبر ما يحولها من بوابات خلفية أو خادم لمصالح الحلفاء الكبار إلى لاعب أساسي محدد، معتد بإمكانياته ومستثمر حقيقي لثرواته من جهة، ورافض لأي سياسة استبدادية أو ممارسات دكتاتورية من الممثلين الجدد من جهة أخرى.

في حين ما زالت قلة من معادي ثورات الربيع العربي –ما نجح منها وما زال منها مستمراً- يخرجون علينا بين الفينة والأخرى بملاحظات وتعليقات يسلطون الضوء من خلالها على بعض الأخطاء أو السقطات التي يقع بها الممسكون بزمام البلاد المحررة حيناً وقيادات أو ممثلي الثورات الجارية حيناً آخر. فمن كانوا يتهمون الثوار بالأمس بموالاة الغرب وإسرائيل ويصفونهم بربائب فرنسا وأمريكا أصبحوا لا يجدون ما يعلقون عليه فشلهم اليوم إلا أمثلة من حالات حظر التجول المعدودة التي أعلنت في تونس ما بعد الثورةـ تونس التي انتقلت إلى من الاستبداد إلى الديمقراطية بنجاح شهد له العالم، متناسين حالات حظر الحياة التي عانتها تونس طوال فترة حكم ابن علي حتى أصبح الطلاب التونسيون المبتعثون إلى أوروبا لا يجرؤون على التكلم عن “جلالة السلطان” وشرطته مع أنفسهم ناهيك عن تجنبهم خوض نقاشات حول الموضوعات المحرمة مع أي كان. وفي ليبيا تفجرت إنسانية أولئك عند مقتل القذافي بما وصفوه “طريقة وحشية”. وأنا لا أدافع هنا بطبيعة الحال عن قتل القذافي في ذلك الموقف، فكم تمنيت أن يمثل للمحاكمة ليبوح بكل خياناته وعلاقاته المشبوهة القذرة، ولكنني أتساءل أين كانت تلك الضمائر عندما كان القذافي يقتل الآلاف من شعبه بالطائرات المقاتلة ومضادات الطائرات فيحيل الأجساد أشلاء ممزقة لا يُعرف لها اسم أو هوية. وقد رأينا جميعاً كيف تربصت تلك الفئة بالثوار الليبيين بعد إسقاط النظام البائد حتى نالوا صيدهم الثمين عندما اندلعت بعض المواجهات المسلحة المؤسفة في طرابلس، ملخصين بذلك كل إنجازات الثورة ومتجاهلين اجتيازها لتحدي المصالحة الوطنية بسلاسة أبهرت الكثير من المتخوفين من الانتشار الهائل للسلاح في أوساط مجتمع ليبيا القبلي.

وفي ذات المقام تطول القائمة في مصر واليمن وسوريا بطبيعة الحال، ففي الأخيرة على وجه التحديد حارب مناصروا النظام رئيس المجلس الانتقالي السوري الدكتور برهان غليون عندما صرح بأن سوريا الغد لن يكون لها علاقات مميزة مع إيران وروسيا وحزب الله وكل من يساهم في استمرار عمليات القتل وملاحقة المعارضين. وهو تصريح وإن اتفقنا إلى حد ما على عدم جدارة غليون بالإدلاء به  من حيث هو قرار سياسي من اختصاص البرلمان المنتخب الذي يحدد السياسة العامة للدولة إضافة إلى عدم تمتع غليون بأي صفة سياسية اعتبارية مخولة شعبياً لإقرار شيء من هذا القيبل، إلا أن ذلك يتفق منطقياً مع مصلحة سوريا وشعبها في مستقبلهم القريب. فكيف يمكن لقاتل أن يساهم في بناء مستقبل ضحيته؟ وهل تبرر “الممانعة و دعم المقاومة” قتلي بأي حال من الأحوال؟ ثم إن كيف لقاتلي أن يقنعني بأنه يحارب عدوي من خلال ذبحي؟

يتضح تماماً من خلال ما تشهده الساحة العربية مؤخراً أن زمن الأصنام قد ولى إلى غير رجعة. وأن الحليف الذي كان يتحكم بأمر البلاد أكثر من حاكمها المستبد لن يكون له في المستقبل إلا ما يضمن العائد المجزي للمالك الحقيقي للثروة؛ الشعب. فابتداءً بتونس، توازت الثورة على نظام ابن علي بغضب عارم على فرنسا واتهام شعبي لها بدعم النظام ومحاربة الثورة مما أدى إلى إحراجها دولياً في سابقة هي الأولى تضغط فيها دولة إفريقية تقع على الساحل الجنوبي للمتوسط على دولة أوربية من وزن فرنسا التي كانت ومن المحتمل أن تستمر كأهم الدول الغربية في ميزان التعاون والتبادل الاقتصادي مع بلدان المغرب العربي. أضف إلى ذلك الاتهامات العديدة التي وجهها الشارع المصري للبيت الأبيض الذي وجد نفسه في موقف لا يقل إحراجاً عن موقف فرنسا إزاء الثورة التونسية، ما اضطر البيت الأبيض في نهاية المطاف إلى دعوة مبارك إلى التنحي عن السلطة فوراً بالرغم من كل الخدمات التي كان مبارك يقدمها للغرب ابتداءً بحماية حدود إسرائيل وليس انتهاءً بتحويل مصر من لاعب أساسي على الساحة السياسية في الشرق الأوسط إلى مجرد بلد يقع على هامش التاريخ. كما لا يخفى على عاقل ومتابع الاتهامات التي ما فتئ الثوار الليبيون يكيلونها صبح مساء إلى قيادات الناتو -التي استنجدوا هم بها بالأصل- فيما يتعلق برغبة الأخير في إطالة أمد المواجهة العسكرية وعدم الجدية في الإطاحة بنظام القذافي والذهاب أبعد من ذلك إلى حد اتهام الغرب بِنية رفع فاتورة الحرب لضمان استثمارات ومكاسب أكبر في ليبيا المستقبل.

ولا شك أن أعظم وأجرأ المواقف التي اتخذت تجاه الحلفاء في إطار الربيع العربي كانت تلك التي اتخذها الثوار السوريون الذين قضوا عمرهم في دعم الحركات المقاومة واستضافة ضحايا الإرهاب الإسرائيلي المهجرين من لبنان وفلسطين. فقد أدركوا أن الرصاصة التي يقتطع ثمنها من خبزهم لن تطلق يوماً على عدوهم، وأثبتوا أنهم خير من يعلم معنى المقاومة وأعلنوها صراحةً أن لا حصانة للممانعين من أعداء أمريكا وإسرائيل إن قرر أولئك “الممانعون” محاربة المطالبين بالحرية قبل محاربة عدوهم الكلاسيكي، فكيف تستقيم مقاومة العدو بقتل الشارع المقاوم؟

أقلّب كثيراً بعد كل ذلك في تاريخ تونس ابن علي، وليبيا القذافي، ومصر مبارك، ويمن صالح، وسوريا الأسد، بحثاً عن مرة يتيمة تجرأ فيها ابن علي أن يقول “لا” لفرنسا، أو عن “لا” قذافية لإيطاليا، أو “لا” أشهرها مبارك أو صالح في وجه أمريكا، وحتماً لم أجد أي “لا” أسدية في وجه روسيا أو إيران حينما تعارضت مصالح أولئك الحلفاء (أو المستعمرون الجدد إن صح التعبير) مع مصالح الشعوب.

إن الثوار العرب اليوم لا يكتفون بالانتفاض على مستبديهم، ولا يتوقفون عند إعادة تعريف أحلافهم بما يخدم مصالحهم، بل يذهبون أبعد من ذلك ليرسموا بأيديهم مستقبلهم الذي يرضون ، فنراهم يضبطون إيقاع الحراك السياسي المرافق لحراكهم في الشارع، مصممين في مصر على المضي قدماً حتى نهاية الطريق على الرغم من كل المكاسب التي تحققت بالفعل. كما ما زالت شوارع وساحات اليمن تكتظ بملايين الثوار المطالبين بمحاكمة صالح ورفض الحصانة التي منحته إياها المبادرة الخليجية التي نجحت إلى حد ما بنتحيته عن منصبه في رئاسة الجمهورية. وفي سوريا يتابع الثوار عن كثب تصريحات وفعاليات التيارات السياسية عامة والمجلس الوطني (الممثل لأغلب أطياف المعارضة) خاصة للحفاظ على توجيه بوصلتهم بما يتوافق مع اتجاه ونبض والشارع، غير متوانين عن النيل بشدة من كل من يحيد عن مطالب الثائرين. ولعل أطرف ما رأينا في هذا السياق المظاهرة التي رفع فيها “الحماصنة” البطاقات الصفراء لبرهان غليون بعد ما ثار من ضجيج إعلامي حول الوثيقة التي وقعها الأخير مع هيئة التنسيق، في إشارة إلى استنفاذ غليون فرصة ثمينة قد يكلف تكرار مثيلها تلقيه بطاقة حمراء يخرج بموجبها من المشهد السياسي المعارض الحائز على دعم الشارع.

إن السطور التي يخطها الثوار العرب اليوم في تاريخنا تضعنا بلا شك على باب مرحلة جديدة ينصب فيها الشعب نفسه مجدداً سيداً لنفسه ومقرراً لمصيره، الأمر الذي سيفرض واقعاً جديداً في لعبة السياسة الدولية، في منطقة لا يسع العالم أن يتجاهل أهميتها، والتي تشارك فيها الشعوب العربية من الآن فصاعداً كمحدد وحيد لتحالفاتها التي تخدم مصالحها أولاً  لتكون شعوب المنطقة عامةً ودول جوار فلسطين في سوريا ومصر خاصةً لاعباً أساسياً في رسم مستقبل المنطقة بالصورة التي نريدها جميعاً وفيها فلسطين جزءٌ أصيلٌ على خارطة شرق المتوسط.

أكثر من أربعة أشهر تفصلنا عن بداية الثورة في سورية ومازالت آلاف الأميال الوجدانية (المُحرّكة) تفصل حلب عن باقي المحافظات؛ كل المحافظات. خمسة أشهر تكاد تكتمل من عمر الثورة في سوريا دون أن تدغدغ الغيرة ضمير الحلبيين -بالشكل الدافع الكافي- فيهبوا كإخوانهم علهم يقطفون من ثمر الحرية. ومن البديهي أنه ليس لحلب شيء من مقومات مخالفة شقيقاتها من المحافظات، فلا هي غريبة عن أسباب الثورة من ممارسات قمعية وإذلال وامتهان للكرامات وفساد مستشرٍ دام عقوداً، ولا هي –بطبيعة الحال- الـ’أديسونية’ الذكاء الوحيدة التي اكتشفت “المؤامرة”. ولا شك في نفس الوقت أن أسباباً أخرى وراء ذلك التأخر ولعل أهمها “تشبيح ذوي القربى”.

لن أخوض هنا في مناقشة أسباب إقصاء حلب ذاتها أو إقصاء أحد ما لحلب والأساليب المتبعة في كل ذلك، فما عاد المقام اليوم مناسباً للتحليلات و لتبادل وجهات النظر و “احترام الرأي الآخر” وما إلى ذلك من (تبويس الشوارب). المسألة اليوم هي إما أن تكون إنساناً أو أن تكون وحشاً. فإن كنت وحشاً فاعلم بأن الغلبة على هذه البسيطة لم ولن تكون يوماً إلا للإنسان بما حباه الله من صفات اجتماعية وفكرية وثقافية طالما استخدمها في تطويع كل ما على هذه الأرض لمصلحته. أما إن كنت إنساناً فهب إلى نصرة إخوانك الذين يموتون كل يومٍ على كامل رقعة سورية ليضيؤوا لك الطريق ولأبنائك من بعدك. انتفض على مستوىً يليق بتضحيات إخوانك. انتفض لألا يضيع دمهم هباءً فتكون أنت الخاسر الأكبر وتخسر كل شيء. فهم الآن في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أما أنت فما زلت هنا تقرأ هذي السطور ولا خيار عندك إلا أن تجنح لمستقبل أفضل.

لا شك أن دعاية النظام عن السيطرة على كبرى المدن (دمشق وحلب) يعوزها، كغيرها من الروايات الرسمية، الكثير من الدقة والمصداقية. فهو لا يفتأ يحاول تصوير الانتفاضة على أنها محدودة في الأرياف والمدن الصغيرة ولا تعدو كونها “أزمة” و”خلصت”. في حين أنا قد شهدنا مبكراً مظاهرات حاشدة في أحياء دمشقية كالميدان وبرزة وغيرها، ناهيك عن ريف دمشق الملتصق تمام الالتصاق بدمشق. أما عند مركز المدينة فقد اتخذ الحراك أشكالاً إبداعية أخرى لكسر حاجز الخوف من خلال الاتفاق على التواجد في مكان معين (دون الالتقاء) بهيئة محددة كانت كفيلة كل مرة باستفزاز المنظومة الأمنية المتخلفة عقلياً حتى انتهى الأمر باعتقال أشخاص في وسط دمشق لمجرد أنهم يرتدون قمصاناً بيضاء. وقد ساهم هذا كله في رسم سقف جديد للحريات في قلب العاصمة دمشق حتى بدأنا نرى أحياءً كأبو رمانة والمزة وغيرها تنضم إلى ركب المظاهرات وتنادي بإسقاط النظام على مقربة من مكتب الرئيس نفسه. أما في حلب، فقد اقتصر التحرك على مظاهرات تقليدية محدودة من حين لآخر كانت دائماً كفيلة بقضّ مضجع النظام الذي راهن على سبات حلب من خلال رشىً حكومية رسمية وأخرى من تحت الطاولة متمثلة بإطلاق يد عدد من تجار المخدرات والسلاح في مناطق نفوذ محددة. ولعل ذلك يفسر قصور النشاط الحلبي المباشر. ولكن لماذا لم نر الإبداعيات التي رأيناها في دمشق؟

قد يقول البعض أن الوضع مختلف الآن في رمضان، حيث بدأنا نشهد مظاهرات بأعداد كبيرة تنطلق في وسط حلب. نعم… ولكن ما هكذا نريد حلب. فانضمام حلب وبقوة إلى الثورة هو الضامن الوحيد لنجاحها وإلا فإن حلب ستكون مقبرة الثورة و سبب تسويد صفحتها على مر التاريخ. أقول هذا، وبثقة، بعد ما سمعنا ورأينا من ردة فعل العشائر وخاصة عشيرة البقارة التي خرج بعض أفرادها (في مواقف فردية ولكن مقلقة) بموقف لا وطني و مشين يهددون فيه الدولة بـ”الرد القاسي” غير مستبعدين لحمل السلاح رداً على اعتقال شيخ مشايخهم السيد نواف البشير. وللعلم فإن السيد نواف البشير هو أحد أعضاء (إعلان دمشق) وأعتقد جازماً أنه لا يوافق على بياناتٍ تهدد السلم الأهلي كتلك.

سلمية الثورة أمر مقدس وهي السلاح الأمضى بمواجهة آلة القمع الوحشية التي يستخدمها النظام، وليس التصعيد البربري الأخير إلا محاولة أخيرة من قبل النظام لجر الناس إلى حمل السلاح ليبرر هو بدوره استخدام مزيد ومزيد من البطش يومياً. إن كل ساعة تمر من أيامنا هذه مع التزام الثوار بعدم حمل السلاح تكبد النظام خسائر فادحة على المستوى العسكري والاقتصادي والشعبي الداخلي والدبلوماسي الخارجي فلا نريد أن نرى اليوم من يرفع سلاحاً ليجهض الفجر المنتظر في سورية قبل ولادته بأيام. وعلى هذا فإن دور حلب اليوم أن تخرج بعشرات الآلاف كما أخواتها فتقطع بذلك الطريق على أي تحرك مسلح قد ينفجر هنا أو هناك من قبل بعض المنفعلين أو الغاضبين أو حتى الممولين من قبل النظام، فمن يدري… قد يزج النظام بعصابات مسلحة حقيقية في الشوارع ليجد من يقاتله فعلاً بعد كل تلك المحاولات الفاشلة.

أهلنا عشائر حلب، لنا عتب عليكم (والعتب على قدر المحبة). أما وجدتم في كل ما حصل في سورية سبباً لثورتكم حتى اعتقل أخونا نواف البشير؟ ألم يؤلمكم كل الظلم والقتل التي أصبح خبز سورية اليومي في الأشهر الأخيرة؟ هل اعتقال شيخكم الغالي علينا جميعاً ككل السوريين الآخرين أغلى عندكم من أنهار الدماء التي روّت أرض سورية الحبيبة؟ أوَبعد كل هذا يخرج بعضكم ليهدد بحمل السلاح وإجهاض ثورة إخوانكم؟

أهلنا الصامتين في حلب، بنا قلق علينا وعليكم (والقلق أيضاً على قدر المحبة). إن بقاءكم خلف الركب قد يؤخر مسيرة الثورة قليلاً إذا بقيت المسار على ما هو عليه، ولكنكم ستكونون أول وأكثر المتضررين إذا طرأ شيء من قبيل حمل السلاح، فعندها ستكونون أنتم في الواجهة وإلى شوراعكم ستدخل الدبابات وعنكم سيقطع التيار الكهربائي والماء، وحينها لن يفيدكم كثيراً نداء المحافظات الأخرى بـ “يا حلــــــب حنا معاكي للموت”.

آن لكم تبادروا لتحقنوا دماءكم ودماء إخوانكم… آن لكم تدخلوا في السياق.

طائفتي سوري، لماذا؟

تكاد تكون تلك العبارة أكثر ما يستفرني منذ بدايات الأحداث في سورية وخاصة بعد أن أصبح البعض يستخدمها كصورة لبروفايله على الفيس بوك أو عند التسلح بها لإنهاء نقاش ما بعد أن يصل، بحسب المتحاوين، إلى طريق مسدود.

ماذا يضير أن تكون كاثوليكياً، علوياً، أرثوذوكسياً، سنياً، شيعياً أو حتى لا دينياً سورياً؟

لا أشك أن من يستخدم هذه العبارة إنما يستخدمها بدافع من حسن نية، لدفع أي إيحاء بانتماء طائفي. ولكن ما المشكلة في انتمائك لطائفتك وانتمائك لسورية في آن معاً؟ لماذا يُصر البعض على إلغاء تنوعنا؟ هل أصبحنا عاجزين عن قبول الانتماء الطائفي إلى هذا الحد، ونحن المتنوعون منذ الأزل.

ربما يقول أحدهم أنما دفعه إلى ذلك هو استخدام البعض للانتماء الطائفي بطريقة تُلغي أوتُضعف الانتماء إلى سورية. حسنٌ، هل الحل إذن أن نستسلم بهذه السهولة؟ هل نسمح لفرقة شاذة أن تسرق جزءاً من هوياتنا بكل بساطة؟ هل نسمح لهم باستخدامنا أو أن ننساق وراءهم لننكر ذاتنا؟ لا يا إخوتي، ما هكذا يكون الرد.

إن تلك الفرقة الشاذة -التي تسعى لنشر الرعب من “المستقبل المجهول” بين صفوف من هم بعرفها “أقليات”- هي الأقلية الحقيقية وهي الأقلية الوحيدة بالمعنى السلبي لكلمة “أقلية”.

أجزم أنني لست بحاجة إلى سرد الأمثلة الكثيرة الكثيرة من حياة سورية الاجتماعية عبر التاريخ والتي تدحض أي احتمال لوقوع سورية في فخ ذلك “المستقبل الطائفي الأسود”، فكلكم يعلم أكثر مني في هذا الخصوص. أما أنا فسأركز هنا على الواقع الذي نعيشه الآن فلعله يكون أكثر ارتباطاً بحالاتنا العاطفية والنفسية التي نعانيها في سورية اليوم.

ليس سراً أن بعض إخواننا المسيحيين الكرام يخافون من مستقبل تحكم سورية فيه دولة إسلامية متطرفة تطردهم “ع بيروت”، وهو الأمر نفسه الذي ترفضه الأغلبية الساحقة من مسلمي سورية الذين لن يقبلوا أن ينتقلوا بعد كل هذا النضال ضد ظلمات الاستبداد إلى ظلمات أشد حلكة. وليس سراً أيضاً أن بعض إخواننا العلويين المحترمين يخافون من قيام دولة “تشرد بهم من خلفهم”، ذلك بالإضافة إلى مخاوف أخرى مشابهة لدى شرائح متعددة من المجتمع، وقد لمسنا هذا في بعض الشعارات التي انحصر ذكرها على نقاشات الانترنت وفي المجالس العائلية وجلسات الأصدقاء نقلاً عن مظاهرات مزعومة. غير أن كل من سمعتهم يتناقلون رواية تلك الشعارات لم يستطيعوا الإقرار بأنهم سمعوها بأنفسهم خلال المظاهرات ولم يقدروا أن يثبتوا ذلك من خلال أي تسجيل صوتي أو مقطع فيديو موثوق حتى الآن، أي بعد ما يزيد على أربعة أشهر من انطلاق الاحتجاجات. ولم يعد مقبولاً على أيه حال تقديم أي شيء من هذا القبيل الآن بعد أن مُجّت تلك العبارات وغدت للكثيرين خرافة من خرافات الأولين. ثم إنه لو افترضنا أن ذلك حدث فعلاً، فضعف الرواية ومحدودية التكرار جديرٌ بإسقاط تلك الشعارات المعدومة الوزن. في المقابل نرى كل أسبوع عشرات الفيديوهات التي تصور اللافتات الداعية لوحدة السوريين والشعارت الرائعة التي تؤكد اصطفاف الجميع في خندق واحد.

أنا لا أطلب، بطبيعة الحال، من أحد أن يصطف إلى جانب الموالاة أو المعارضة، ولكنني أرجو من الذين يتخوفون مما سبق أن يمعنوا النظر في كافة أشكال الحراك القائم اليوم في سوريا؛ في حراك الشارع المعارض، في الحراك السياسي المعارض بمختلف أطيافه، في الحراك الموالي، وفي الحراك السياسي الموالي. هل بإمكانك أن تحصر أي شكل من أشكال الحراك تلك في طائفة واحدة؟ ألا ترتكز المعارضة السياسية في أهم تجمعاتها على مسيحيين وعلويين؟ وفي الوقت نفسه، ألا يشكل كثير من أبناء الطائفية السنية أهم دعائم النظام؟ ثم ألم تقرأ بعد شيئاً من مشاركات الكثير من الشباب المسيحي على الشبكات الاجتماعية ومساهماتهم في دعم حراك الشارع وتبريئه من التهم الطائفية البغيضة؟ أعجبُ من أين تسرب هذا الداء إلى السوريين.

أخي يا من تحسب نفسك أقلية، كاتب هذه السطور أخ لك فلسطيني لاجئ في سورية. أقلية في منطق الأقليات. ولعلي أملك أسباباً تجعل خوفي أكثر منطقيةً من خوفك. فأنا الذي تطرأ لذكري أحد رموز المعارضة حين قال أن الفلسطينيين يشغلون خمسين ألف وظيفة حكومية السوريون أولى بها منهم. ولا أخفيك أن تلك اللهجة جعلت الكثير من الفلسطينيين يتخوفون مثلك من المستقبل. ولكنني أثق بسورية. أثق بالسوريين. أثق بك. ومن ها هنا أقول لكم جميعاً ثقوا بشعبكم. ثقوا بالسوريين الذين لم يخذلوكم يوماً. لا ترتكبوا في سورية الخطأ الجسيم الذي ارتكبه كثير من الفلسطينيين الذين سمحوا لمختلف الفصائل بتقاسمهم من خلال العطايا المتمثلة بتأمين المسكن والمنح الدراسية والتمويل الخاص وما إلى ذلك من أشكال ’شراء الولاء‘، فبات أحدهم يشعر بالامتنان العميق للفصيل الذي “أمّن له مستقبله” إلى حدّ لم يعد يَسَعه عندها إلا أن يوافق على كل سياسات ذلك الفصيل حتى وإن تعارضت مع مصلحة الفلسطينيين العامة أو مع مصلحته هو شخصياً.

ثم انظر معي إلى حيك، إلى مدينتك، أينما كنت في سورية. ألا ترى أن تخوفك غير قائم على قاعدة صلبة؟ فهل يُحجِم أحد عن التسوق في مركز تجاري إذا كان صاحب المركز من طائفة مختلفة؟ وهل يستغني الطالب ابن المدينة عن أخذ دروس خصوصية عند مدرس متمكن لإنه قروي الأصول؟ وهل يمتنع كل السوريين عن التداوي لدى طبيب ماهر إذا كان لاجئاً فلسطينياً؟ وهل وهل وهل؟ فأي تخوف طائفي هذا الذي أنت تحسب له كل تلك الحسابات؟ ألا تر أن النسيج الاجتماعي متشابك لدرجةٍ لا تتيح انسحاب أيٍ من مكوناته؟

إخوتي، ليس لأحد فضل عليكم. إن كل ما تتمتعون به من موارد إنما هو ملككم أنتم، و لا يجب أن يشارككم به إلا إخوانكم وأخواتكم السوريين فقط. لا الحكومة شريكة في ذلك، لا الحزب شريك في ذلك، لا مجلس الشعب شريك في لك، ولا أحد غيركم أنتم. إنما وظيفة كل تلك الأجهزة أن تدير وأن تشرف على توزيع الثروة بينكم، لا أن تستغلها وتنهبها وتحرمكم أنتم وإخوانكم منها تحت عنوان المساواة. فالمساواة لا تكون إلى بعموم العطاء، لا بعموم الحجب والحرمان.

ليس لأحد فضل عليكم فأنتم أقدم على هذه البقعة المباركة من كل الأحزاب وكل النظم وكل السياسات، ولن يضيركم إلا أن تستسلموا لفكر مَرَضيّ يسعى البعض إلى غرسه لديكم ليكبح جماحكم ويزرع الخوف في نفوسكم ويفصلكم عن باقي مكونات مجتمعكم المتجانسة.

سأقدر موقفكم مهما كان، إن اتخذتموه بعد أخذ النقاط السابقة بالاعتبار، وسأدافع عنه مع باقي إخوتي حتى وإن خالف موقفي وسأستمر بحواركم  ونقاشكم لنحافظ على قاعدة مشتركة نبني عليها مستقبلنا معاً. ولكنها ستبقى حرقة في قلبي إن لم يكن وراء موقفكم إلا الخوف والخوف فقط.

في سورية، لم ولن يكون انتماؤك لطائفة ذات أقلية عددية سبباً لنبذك في مجتمع كان والداك ومن قبلهما جداك لبنة أساسية في تكونه. في سورية، الطائفة المنبوذة الوحيدة يجب أن تكون تلك الفرقة الشاذة التي تحاول صبغ الأقلية بصبغةٍ سلبيةٍ لترويج دعاية الخلاف الطائفي. ومالحل ها هنا إلا أن يضع أولئك الخائفون من المستقبل يدهم بيد أشقائهم السوريين؛ السوريين الاعتياديين الذين نصادفهم في كل شارع وكل جامعة وعند كل مسجد وكل كنيسة، ويبرهنوا للجميع صلابة تكوين مجتمعهم الذي ما فتئ عصياً على كل محاولات تفكيكه.

في سورية نحن بانتظار ولادة أقليةٍ سياسيةٍ معارضةٍ تغني الحياة السياسية وتنضم إلى كافة الأقليات الأخرى التي لطالما كانت مميزاً هاماً لكافة التجمعات الإنسانية ومكوناً رئيساً لا يستقيم المجتمع إلا بها.

في سورية، ثِقوا بالشعب… يا قرّاء مدونتي

نصرة الشعب الليبي بدمشق، فاعتقال. اقتلاع أظافر الأطفال في درعا. احتجاجات. قتل. مظاهرات في مدن سورية عدة. يستمر القتل. انتشار الجيش. يزداد القتل. معارضة تتشكل في الخارج. لاجئون سوريون يتصدرون عناوين الأخبار وصفحات الصحف الأولى. النظام يدعو للحوار. قرارات جديدة. تطبيق وممارسات قديمة.

ثم تلتئم معارضة سورية في الداخل علناً بتاريخ 27 حزيران (يونيو) 2011 في أول تحرك من نوعه منذ عشرات السنين، فيتعقد المشهد السوري ويستعصي على فهم الكثيرين. لا المراقبون الخارجيون، لا الموالاة، لا المعارضة، لا التنسيقيات ولا الشارع، بات واضحاً أن كل أولئك عاجزون عن استيعاب المشهد كاملاً. تخبط الجميع يكاد يكون عنوان المرحلة.

تحاول السلطات استغلال المؤتمر لأسباب دعائية، فلا تمنع انعقاده في محاولة لإظهار مرونة النظام مع التحركات المعارضة. إلا أن هذه المحاولة سرعان ما باءت بالفشل بعد تسريب وفضح ممارسات التشبيح التي مورست ضد المؤتمرين وبعد تأكيد المؤتمرين عدم ارتباط مؤتمرهم بدعوات النظام للحوار الذي لا تتوفر أرضيته بحسب المعارضين.

فريق في الشارع الموالي اعتبر أن عقد مؤتمر من هذا النوع سيكون مدخلاً لـ “بيع سوريا” ودعوة لتدخل خارجي وكل ما قد يخطر ببال القارئ من أفعال خيانية ترتكب بحق الوطن. فريق موالٍ آخر أكثر اعتدالاً رأى في المؤتمر محاولة ماكرة لشد الأنظار بعيداً عما يرونه “تخريباً وتقويضاً للأمن” خلال المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام. فحسب أولئك، مؤتمر كهذا ليس إلا تغييراً تكتيكياً ينسجم مع أهداف “المؤامرة الكونية المحاكة ضد سوريا” والتي ترمي إلى إسقاط النظام. وكلي إيمان بأن فريقاً موالياً آخراً رأى في المؤتمر بارقة أمل نحو فجر ديموقراطي جديد.

أما أن يهاجم معارضون مؤتمر المعارضة!!! فتلك لا شك كانت مفاجأة للوهلة الأولى.

لن أطيل كثيراً في شرح نقاط الخلاف التي يعرفها جميعكم والتي تتلخص في أن البعض رأى أن المؤتمرين من خلال حوارهم ذاك قد سقطوا في فخ النظام الذي لا يريد برأيهم من وراء دعوات الحوار إلا أن يلتف على الانتفاضة الشعبية ويسنح الفرصة أمام المؤتمر ليستغلها إعلامياً ويتصدى من خلالها لمطالب الجمهور بعد تقنينها في قنوات ضيقة يسهل عليه التعامل معها. ولكن ما فات على أصحاب هذا الموقف أن المؤتمرين لم يحاوروا النظام وإنما كانت خطوتهم تلك مشاورات داخلية تهدف إلى تكوين رؤية مشتركة ومتوافقة للمرحلة الراهنة. ولأشد ما يحز في قلبي أن بعض المعارضين ذهب إلى تخوين المشاركين في المؤتمر واتهامهم بخيانة دم الشهداء. ولعل هذا الصدود ما نشأ إلا لكثرة ما مجّ الناطقون باسم السلطة كلمة حوار، حوار، حوار دونما شيء ملموس على الأرض حتى فقدت معناها و سئمها كل من يسمعها وشكك بفحواها أشد المؤمنين بها.

وبعد كل ذلك يأتي الموقف الأكثر اتزاناً، برأيي، من قاعة المؤتمر بفندق سمير أميس حيث وضع المشاركون أنفسهم في إطار الداعم والرافد لحراك الشارع الذي اعتبروه المحرك الرئيس لآلة التغيير. هم لم يقولوا أنهم يعبرون عن الشارع ولم يدّعوا أنهم ممثلون لجميع أطياف المعارضة، بل على العكس، أكّدوا على دور الجميع واستعدادهم للتعاون مع أي مبادرة وطنية، واعترفوا قبل كل ذلك بامتنناهم للحركة الشعبية ولدماء الشهداء التي لم يكن لهم أن يعقدوا مؤتمرهم ذاك لولاها. وفي عهد عقدوه على أنفسهم في ختام المؤتمر تعهّدوا بأن يبقوا جزءاً من انتفاضة الشعب السورية السلمية في سبيل الحرية والديمقراطية والتعددية ورفضهم للخيار الأمني لحل الأزمة.

وبين هذا وذاك تضطرب الصورة… تتشوش الأفكار… شعور بعدم الأمان يسود لبرهة… ثم نعلم أن سوريا تذهب بالاتجاه الصحيح. هل كان لأحد أن يصدق أن الأحداث ستتسارع بهذه الشدة في سوريا التي بقيت لأكثر من أربعين عاماً صامتة وساكنة كصفحة بحيرة في يوم ربيعي هادئ؟ في ظرف سوريا الحالي، من الطبيعي أن يتشكك المرء في أي تحرك حتى ولو كان في الاتجاه الصحيح بعد كل تلك السنوات من الجمود. فلعله كان من ضروب الجنون أن تسمع أحدهم يتكلم قبل أشهر عن حراك سياسي معارض في سوريا. حتى المتظاهرون الذين لاموا المثقفين لعدم مبادرتهم لأخذ دورهم في الانتفاضة، لم يصدقوا حقيقة أن حراكاً سياسياً معارضاً حقيقياً قد بدأ رغم أنهن كانوا بانتظار تحرك مماثل، فانتابهم شك تبدد عند بعضهم بعد إعلان البيان الختامي للمؤتمر في حين لا زالت بعض المخاوف المبررة تؤرق البعض حتى اليوم، إلا أن الوقت كفيل بفرز تيار سياسي جدير بثقة أصحاب المطالب وقادر على بلورة رؤيتهم وترجمة طموحاتهم على طريق تحقيق الدولة المدنية التي لا يقودها أفراد وإنما يقودها القانون والقانون فقط.

ربما أكون مفرطاً في التفاؤل، ولكنني أعلم أن لدي من إيماني بسوريا والسوريين ما يدعم تفاؤلي ذاك ويسلط الضوء على مؤشرات لا توحي لي إلا أن غداً مشرقاً متلهفاً لعناق سوريا ينتظر عند أول منحنى.

بدون مقدمات

إن كنت ترى في حفنة الشباب الذين خرجوا في دمشق أواخر شباط الماضي لينددوا بجرائم القذافي عُزّلاً إلا من شموعٍ بريئة، تهديداً للأمن والتعايش السلمي في سوريا… احترم عقلك.

إن كنت تعتقد أن من انهالوا ضرباً وشتماً واعتقالاً في صفوف أولئك الشباب والفتيات يساهمون في ترسيخ الأمن والتعايش السلمي في سوريا… احترم عقلك.

إن كنت من مصدقي نظرية المؤامرة التي تبناها الإعلام السوري معتمداً في ذلك على ما ورد في “موقع فيلكا الاستخباراتي الإسرائيلي” الذي يقتصر محتواه في معظمه على كشف خيوط المؤامرة المحاكة حول سوريا، ألم تلاحظ أن ذلك “الموقع” لا يعدو كونه مدونة مجانية على موقع “Blogspot”، وأن لغته الوحيدة هي العربية، وأنه يكثر أن تقرأ في ثناياه تراكيباً باللهجة الشامية؟ ألم تلاحظ كل ذلك؟ أم أنك تلقفت الأنباء وصدقتها دون أن يخطر لك أن تتصفح “الموقع” بنفسك؟؟؟ … احترم عقلك.

إن كنت من مصدقي روايات وئام وهاب وناصر قنديل حول الشيكات التي حُوّل بموجبها عشرات ملايين الدولارات من بندر وتركي وسعد إلى المتظاهرين السوريين فأنت حر. ولكن إن كنت قد تجاهلت رجوع وئام وهاب عن تصريحاته وكشفه لحقيقة أن صور الشيكات التي سربها له أمير بيضون كانت مزورة، واستمريت بعد ذلك كله في تسويق تلك الفانتازيا بعد انهيار دليل ثبوتها… فاحترم عقلك.

لك الحق في تأييد وتسويق بيان علماء سورية الناقد، بل والمحارب لبيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول سوريا. ولكن هل خطر لك أن تبحث عن نص البيان الأخير قبل اتهامه؟ أم قبلت أن يتم تجييشك ضد ما لا تعلم؟ احترم عقلك

هل سألت نفسك لماذا يُمنع ذوو الشهداء من طباعة كلمة (الشهيد) قبل اسم فقيدهم على نعوته؟ مع أن رأس السلطة أقر بأن أولئك شهداء؟ … احترم عقلك.

يا من تضع كل خبرتك الإعلامية في انتقاد وسائل الإعلام العربية والأجنبية “لعدم تحري الدقة وتلفيق الأكاذيب وتضخيم الأحداث”، وتزيد على ذلك فتعتصم أو تؤيد الاعتصام أمام مقرات وسائل الإعلام تلك. من الأجدر بك أن تُسَخّر مجهودك ذاك كله في انتقاد منع الإعلام المستقل من الدخول إلى مسرح الأحداث، إن لم يكن لشيء فليكون لنقدك اتجاه منطقي… أرجوك، احترم عقلك.

يا من أسرفت في نقدك اللاذع للمفكر العربي عزمي بشارة بعدما بثته قناة الجزيرة خطأً من حوار دار بينه وبين الظفيري (مقدم حلقة حديث الثورة) تحت الهواء، دون أن تعلم سياق الحديث، و دون أن تشاهد الحلقة كاملة، مفعماً بسوء النية، حاضراً لإسقاط كلمات متقاطعة على واقع خيانيّ قذر، لخدمة قالب مُعدّ مسبقاً لتعبئة “ما تبقى لديك من قدرة فكرية” لخدمة تيار يجرفك بعيداً عن الحقائق لتستمر حتى اليوم في ترديد كلمات مثل (بيضت صفحة المؤسسة) و(نريد الفيلا) وأمثال ذلك دون علم حقيقي بما قيلت من أجله تلك الكلمات… احترم عقلك.

أتحفتنا سيرياتيل منذ فترة بنبأ عن مدى تآمر قناة الجزيرة التي لم تقم بعرض ما يزيد عن تسعين بالمئة من رسائل المؤيدين للنظام على شاشاتها. كيف علمت سيرياتيل ذلك؟؟؟ هل أصبحت سيرياتيل فرعاً أمنياً مخولاً بمراقبة رسائلي النصية؟؟؟ فيا من تقتحم شبكات الهاتف المحمول خصوصيتك بشكل يومي وتراقب كل رسائلك القصيرة (علماً ان حالة الطوارئ قد رفعت وبالتالي فلا يحق لأحد ان يراقب أي هاتف إلا بمذكرة قضائية)… احترم نفسك، احترم خصوصيتك، احترم عقلك.

يا من تغاضيت عن فظائع قوى الأمن في قرية البيضا ببانياس عندما عُرضت أول مرة، ثم سارعت “لفضح التزييف” عندما ادّعى البعض أن ذلك إنما حصل في العراق وأن أبطال الفيلم هم من البشمركة والمارينز وأن الصوت قد دبلج على الصورة بهدف زرع الفتنة. وفي النهاية انتهى بك المطاف إلى التغاضي عن الأدلة التي تلت ذلك لتثبت أن ما جاء في الفيديو كان صحيحاً وأنه وقع فعلاً في بانياس… ألا ترى معي أن لديك مشكلة نفسية؟؟؟… احترم عقلك.

يا من يعتقد أن استغاثة تُرفع على مئذنة في فجر يوم دامٍ هي دعوة سلفية… احترم عقلك

يا من ينتقد وسائل الإعلام العربية والأجنبية لعدم المهنية، تذكّر أن كل أولئك يحرصون دوماً على استضافة متحدث رسمي (أو شبه رسمي) باسم السلطة مقابل استضافة أي معارض. بينما “يصدف” أن كل المتصلين والضيوف الذين يطلون على شاشات القنوات السورية هم من المدافعين الشرسين عن كل مكونات النظام في سورية… احترم عقلك.

يا من ما زلت تُسوق نكتة حبوب الهلوسة بعد أن رأبت “السكيتش الكوميدي” الذي عرضه أحد أفراد دورية الجمارك التي ضبطت شحنة حبوب مرسلة من قبل قناة الجزيرة… احترم عقلك إن كنت تصدق ذلك، وإن كنت تعتقد أن تهريب حبوب الهلوسة أمر واقع وإنما أضيف إليها شعار الجزيرة “لزيادة الأكشن” فكيف تثق بمن يكذب عليك ويسخر منك… احترم عقلك

يا من منحت باتريك سيل وسام الاستحقاق في النزاهة والمهنية الصحفية عندما قال أن الرئيس السوري بشار الأسد يقوم بثورة إصلاحات. لماذا لم تدافع عن بطلك عندما منعت السلطات السورية كتابه ” الأسد والصراع على الشرق الأوسط” من البيع في سوريا؟ ثم إن باتريك سيل نفسه خرج منذ أيام على البي بي سي ليعبر عن استغرابه “من الممارسات القمعية والحلول الأمنية” الممارسة في سورية. فهل أعجبك رأيه ذاك كسابقه؟ … احترم عقلك.

 يا من وجهت تهمة الخيانة للفنانين السوريين الذين قرروا أن يقفوا مع إخوانك في درعا المحاصرة مطالبين بإدخال المواد الأساسية وحليب الأطفال، قبل أن تقرأ ما سُمي استهزاءً بـ”بيان الحليب”… احترم ضميرك، احترم عقلك.

إن كنت مؤمناً بأن مقاطع الفيديو التي يتم تسريبها عبر الانترنت هي من صنع “الغرف السوداء” في تل أبيب وأخواتها من المدن المعادية، فلماذا إذن يُلاحق ويُعتقل كل من يحاول تصوير إي تظاهرة في حضرة الأمن؟… احترم عقلك.

إن كنت خرجت في نزهة شواء لتقنع نفسك بأن “الهدوء يعم المنطقة” متجاهلاً الدبابات والملالات التي تحاصر الحي المجاور والمظاهرات التي خرجت في الحي الأبعد… احترم عقلك.

ليس هذا إلا غيضاً من فيض الأسباب التي تدعوك إلى احترام عقلك

وأخيرا ً، بعد كل الذي رأيت في البلاد المجاورة وما حصل في ذكرى النكبة على حدود فلسطين، إن لم تكن مؤمناً بضرورة تعريف “المستحيل”… احترم عقلك.

أعود اليوم بذاكرتي إلى الثمانينيات من القرن الماضي عندما كنت طفلاً كسائر أقراني مشاكساً بل ومخرباً عن سبق الإصرار والترصد أحياناً. فقد تنازعت مراراً وتكراراً مع إخوتي الكبار، ومن منّا لم يخاصم أخاه في الصغر من أجل لعبة فيديو أبو برنامج تلفزيوني.

كسرت الكثير من الكؤوس؛ أضعت بعض أقلام والدي الثمينة؛ وخالفت الكثير من الأوامر. راودتني نفسي أكثر من مرّة “لأسرق” مفاتيح السيارة (كان للسيارة أكثر من مفتاح حينها) بالرغم من قِصَر قامتي وصغر سني؛ كان الوقوف عند عربة الفول مثلاً، من المحرمات في عرف عائلتي لأسباب صحية (ويمكن بريستيج أحياناً)، ولكن تلك المخالفة بالذّات كانت بطعم آخر… طعم مرقة الفول التي لا تُضاهى.

كل ما سبق وغيره كان من الصغائر (راسمالها بهدلة وزعلة يوم زمان)؛ عقاب يسير… فعفوٌ وغفران.

كنت دائماً ذلك الطفل الخارج عن القانون المنزلي(فاشل على مستوى السياسة الداخلية)، والمحبب في نفس الوقت. ربما كان شفيعي هو تفرّدي بين إخوتي على مستوى تأمين مستلزمات المنزل من الخارج ومرافقتي شبه الدائمة لوالدي في المجالس والمناسبات الاجتماعية حتى قبل بلوغي الخامسة من العمر (سياسة خارجية مميزة). ولكن الأمر لم يستمر على تلك الحال، فمشاكستي لم تقف عند حد الصغائر. أعترف أنني خططت ونفذت، أكثر من مرة، ما كان يُعتَبر خطّاً أحمراً لمن هم في سني، وفي كل مرة كنت أجتهد لإخفاء “جريمتي” ولكن دون جدوى. كنت أعتقد أنني أتمتع بالذكاء الكافي لإحاطة أعمالي بالسرية المطلقة، ولكن “الست الوالدة” كانت تُفاجئني دائماً بأنّ أنباءً وصلتها عمّا فعلت، وهنا كانت تقع المصيبة. كيف علِمَت؟ من أخبرها؟ لا أدري.

اليوم أنظر إلى تلك الأيام فأرى أن كل ما فعلتُه “لأخفي جريمتي” ما كان إلا أني حرصت على ترتيب فعلتي في غياب أي مراقبين محتملين. كنت أحسب أن نزولي إلى الطابق الأسفل من بيتنا لتفكيك إحدى ألعابي الجديدة (والباهظة الثمن نسبياً) سيبعدني عن الاستجواب حول دوافعي “لإهدار مال والدي” وهي نقطة كانت تفوق أهمية تخريب اللعبة بحد ذاتها. وفي نفس السياق كنت أظن أن إقفال باب غرفتي عند ممارسة هوايتي في تسلق الخزانة والقفز على سريري مروراً بجانب مروحة السقف، سيدفع عني تهمة “محاولة الانتحار” (بدك تقتل حالك إنت؟؟؟). ولكن… في نهاية المطاف، كانت أمي تلاحظ أن اللعبة الجديدة لم تعد تعمل… فيتم الاستجواب، وأن الخزانة بدأت تصدر أصواتاً غريبةً وأن السرير قد أصيب إصابات بليغةً… فلم يكن أمامي مهرب من تَقبُّل اتهامي بمحاولة الانتحار.

ومع مرور الزمن فهمت أن أمي(الله يخليلي اياها) كانت تكتشف فعائلي من خلال نتائجها التي لم تكن تدوم طويلاً حتى تظهر للعيان. بل وإن والدتي- بعد عدد من الحوادث المماثلة- أصبحت تعلم أن “مصيبة ما” توشك على الوقوع كلما اختفيت عن الأنظار. لم يكن ظنها في محلّه دائماً ولكنها كانت تصيب غالباً، ما دعاني إلى التخلي عن “استراتيجيتي” التي لم تصمد حتى أوائل التسعينيات.

أتعجّب اليوم من معالجة المسؤولين الإعلاميين في سوريا للأحداث الجارية بمنطق طفل أدرك قبل ما يزيد على عقدين من الزمن أن إخفاء الممارسات لا يمنع ظهور نتائجها. هل تعتقدون فعلاً أنكم بمنع الإعلام- الرسمي والمحلي والعربي والأجنبي- من تغطية الوقائع على الأرض ستُرجعون الزمن إلى حيث كانت وزارتكم هي المصدر الوحيد للمعلومة؟ ألم تسمعوا بكاميرات الهواة؟ ألم تروا الهواتف النقالة المزوّدة بكاميرات؟ بالله عليكم، هل تعلمتم شيئاً عن الإنترنت؟؟؟ أم أنكم ما زلتم تعيشون في “التاريخ”؟ هل اعتقدتم أن الشبكات الإخبارية المحترفة ستتخلى عن المواد الإعلامية التي يقدّمها الهواة بحجة أنها لا تتوافق مع المقاييس المهنية المتبعة فتقوم بالتالي بتجاهل الأحداث في سوريا؟ ألم تعلموا أن إهمال موضوع كهذا هو أشد كفراً ونفاقاً من الاعتماد على أفلام (يوتيوب) و (فيس بوك)؟

فإن كنتم تعتقدون أيّاً مما سبق، فتلك مصيبةٌ. أما إن راودكم شعور بأن موادكم (وأفلامكم) هي أكثر احترافية من محتوى الإنترنت، فالمصيبة أعظمُ.

اِعلموا أنّكم بتخفّيكم هذا (وهو ليس تخفّ على أية حال)، إنما تضعون أنفسكم في خانة الاتّهام لإخفاء “مصيبة ما” حتى وإن لم تكونوا بصدد ارتكاب شيء من ذلك. وتذكروا أن أمّي كانت تكشف فعائلي من خلال النتائج التي لم تكن تدوم طويلاً حتى تظهر للعيان.

تكاد قصة صداقة زيد وعمرو تكون الأشهر لدى العرب، حتى ارتبط اسم أحدهما بالآخر أوثق ارتباط. فلقد عرف عمروٌ زيداً بُعيد ولادة حرف الضاد وطفقا يجوبان بلاد العرب محدّثين عن تاريخها وأرضها وعمرانها وطبائع أهلها وثقافتهم.

كان الصديقان يتجولان يوماً في مدينة أبو ظبي على ساحل الخليج العربي يغتنمان ما تبقى في رصيد “الشتاء” من نسائم محتملة قبل أن يقتحم “الربيع” الأجواء بـ”صيف” يفرض على من شاء وعلى من أبى حظر تجول حتى إشعار آخر.

مرّ زيدٌ وعمروٌ بموقع إنشاء فندق (فور سيزنز) فكان الحوار التالي:

زيد: انظر انظر يا عمرو، هاهم أخيراً يشيدون فندق (فور سيزنز) في أبو ظبي.

عمرو(ساخراً): هاهاها… نعم، يحاولون تقليد دمشق (علماً أن أبو ظبي فيها من المعالم حديثة الإنشاء ما يزيد على دمشق بكثير، ففيها جامع الشيخ زايد الكبير، وقصر الإمارات، والكابيتال جيت، والـHQ ، وحلبة مرسى ياس لسباقات الفورمولا واحد، وفيراري وولد وغير ذلك)

صمت الاثنان لوهلة ثم نطق عمرو بنبرة حزينة: “يريدون تقليد دمشق!!!” يا حسرةً على دمشق. دمشق كانت يوماً النموذج الفريد للعاصمة. كانت هي العاصمة الوحيدة في العالم و احتضنت أعظم حضارات البشرية على امتداد العصور.

دمشق كانت عندما لم تكن لندن

دمشق كانت عندما لم تكن باريس

دمشق كانت عندما لم تكن طوكيو ولا بكين ولا موسكو

دمشق أشرقت حيناً على الأندلس فأنارت العالم.

عم الصمت من جديد وفاضت العيون بدمع وغصت الحناجر لبرهة.

“بكرا أحلى”… فجأة صاح عمروٌ كاسراً حاجز الصمت.

زيد: وعلى أي أساس تبني افتراضك هذا؟

عمرو: ليس الأمر محض افتراض بقدر ما هو يقين بنيته على ما علمت – أنا وأنت- من تاريخ الشام وما مرت به من أزمات كانت كل واحدة منها مخاضاً عسيراً فخرجت منه أبهى وأجمل وعاشت بعد ذلك كله أياماً أحلى. فانظر معي يا زيد. هل ترى غداً غير “بكرا أحلى” والناس في سوريا اليوم تعلم أنه لن يكون أحد فوق القانون غداً.

زيد: أعتقد أن في كلامك شيء من الصحة فأنا أرى أن “بكرا أحلى” لأن جميع المكونات الفاعلة في المجتمع اليوم تؤكد على أن لا مكان للطائفية والمناطقية والعرقية في كتاب سوريا. سوريا التي قدمت الخوري والعظمة والعلي والأطرش بل وتجاوزت حدودها لتهدي من خلال القسام أسمى الآيات لفلسطين.

عمرو: والله إني لأرى ذلك أيضاً، فالجميع يهتف اليوم “واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد”

زيد: “بكرا أحلى” بالرغم من أن أحداً ما قتل الكثير من الناس في الشوارع في محاولة يائسة لاستفزاز الشعب ورفع مستوى الغضب بل و حاول إغراء المطالبين بالتغيير باللجوء إلى السلاح، فتارة ترك قطع السلاح متاحة للجمهور عند أبواب المساجد أو على عتبات البيوت و الأرصفة، وتارة حاول أن يقحم مسلحين بين صفوف المتظاهرين، ولكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل لتعكس وعي السوريين وتصميمهم على تحقيق أهدافهم ومطالبهم سلمياً.

عمرو: أجل، لا بد أن يكون “بكرا أحلى” لأن كل السوريين (ومن في حكمهم) يُجمعون على قدسية الدماء السورية. صحيح أن البعض مختلف حول الجهة المتهمة بالقتل ولكن لا بد أن يتذكروا أن أي متهم بريء حتى تثبت إدانته، وعلى ذلك فإنه يترتب على الجميع التحلي بالجرأة الكافية لقبول إدانة من تثبت إدانته.

زيد: “بكرا أحلى” لأن “بكرا” بدون طوارئ. ما يعني أن السوري سيكون المسؤول الأول عن حفظ كرامته وممارسة حقوقه، فلا يلومنّ أحداً سواه إذا سمح لأحد بأن يهين كرامته، أو إن أُجبر على دفع رشوة أو إن تعرض للابتزاز. على كل سوري اليوم أن يعرف حقوقه وواجباته فهو المسؤول اليوم عن كل ما يحدث.

عمرو: هذا صحيح. ولعل من أهم الدلائل على أن “بكرا أحلى” أن مفهوم “سِيدي” في طريقه إلى مزبلة التاريخ كما أرى، فالكثير من “أسيادنا المشايخ” نُزعت عنهم هالة القداسة عندما وقفوا بكل وقاحة في وجه “المريدين”. أضف إلى ذلك أن ما حصل مؤخراً هناك يفرض قاموساً جديداً للمصلحات المتداولة فعلى سبيل المثال “سِيدي موظف الأمن” و “سِيدي الشرطي” و “سِيدي الضابط” هم جميعاً الآن مجرد موظفين لخدمة “السَيّد المواطن”.

زيد: لا بد أن “بكرا أحلى” لأن المبعدين يشترون الآن تذاكر العودة إلى سوريا.

عمرو: إن “بكرا أحلى” لأن احتمال أن يُستضاف سوري لـ”فنجان قهوة” عند وصوله في المطار لم يعد وارداً. لن يَمنع السوريَّ اليوم شيءٌ من أن يكون تقبيل يد أمه هو فعاليته الأولى بعد أن يطأ أرض الوطن، فعلى كل من يريد “استضافته” من الآن فصاعداً أن يرسل له “بطاقة دعوة”.

زيد: “بكرا أحلى” لأن الكثير من الشباب اليوم يقرأون ويفكرون… ويكتبون.

عمرو: نعم، و”بكرا أحلى” لأننا سنرى إصلاحاً شاملاً أكثر، فما كل هذه التطورات التي تشهدها سوريا اليوم إلا بداية الطريق.

زيد (باللهجة السورية): “بكرا أحلى” لإنه بكرا ما عنده خيار غير إنه يكون أحلى… ما على كيفه

عمرو: بالفعل … فالشعب قد اتخذ قراره و قدم خيرة أبناءه دماءهم ثمناً غالياً ليهدوا إخوتهم وأخواتهم “بكرا أحلى”. وسننعم أنا وأنت برؤية سوريا كما عهدناها من قبل.

زيد: أرجو ذلك وأتمنى ألا يكلّف الأمر أيّ دماءٍ غاليةٍ أخرى.

أهو النظر إلى النصف الممتلئ من الكأس يدفع المرء للاعتقاد أنه يحب السفر؟

أم أنني أحب حياة الترحال فعلاً؟

لماذا تكون الفكرة الأولى التي تشغل بالي فور وصولي في محطة ما، ’أين ستكون محطتي التالية‘؟

ماذا لو كان لي بلد يعترف بي وأستطيع أن آوي إليه حين أتعب من السفر؟

كنت قد كتبت يوماً أنني أحيى حياة من لا عنوان دائم له. حياة شخص لا يعلم متى تصله مذكرة مفادها أنه أصبح عبئاً على عنوانه المؤقت وعليه أن يرحل. هي حياتي كحياة أي لاجئ فلسطيني أتى أهله من بلاد لم نعد نسمع اسمها بعنفوانه إلى في القصائد المحرّمة. ولدت أنا و إخوتي في بلاد “الشتات” وترعرعنا هناك بين أناس لم يتركوا لنا خياراً إلا أن نحبهم اعترافاً بجميل لهم علينا. وكما أحببناهم لم نقدر يوماً أن نتجاهل حبنا لمعالم كانت أول ما أبصرته عيوننا في هذه الدنيا. أينما وُجدنا عشقنا حقولاً كنا نرى فيها حقول يافا، وساحلاً كلما داعب وجوهنا بنسائمه الرطبة ذكّرنا بسور عكّا، وعندما صلينا في مساجد عمرها التاريخ أبت إلا أن تحرك فينا شوقاً لحرم إبراهيمي محاصر حتى الاختناق ومسجد أقصىً حزين، وعند كل كنيسة نجنح بفكرنا فنزور كنيسة المهد بماضيها الضارب في بدء التأريخ وحاضرها في احتضان المقاومين الذين انتهى بهم المطاف في منافي العالم.

كان اندماجنا (النفسي) بأراضي “الشتات” أمراً حتمياً لم تحل دونه كل الدعوات المنادية إلى عدم دمج اللاجئين ضمن دائرة المواطنة لتجنب العبث بالتركيبة الطائفية أو العرقية أو العشائرية في الدول المضيفة، غير أن تلك الدعوات نجحت بالفعل في الفصل القانوني والحقوقي بين اللاجئ وبين الأرض التي يقيم عليها فلا يجرؤ بعد ذلك فلسطيني على مناقشة أعطيات البلد المضيف من منطلق أنه مجرد ضيف على تلك الأرض و من غير اللائق أن يطلب أكثر مما يتكرم به عليه صاحب البيت.

عشنا سنين، ونعيش، وفق منطق الضيف والمضيف، ولا ضير. مشكور كل من استضافنا وسامح الله كل من طردنا أو منعنا من دخول أرضه. سيادة دُولكم معتبرة وقراراتكم السياسية وخططكم المستقبلية مكان تقدير واحترام ونربأ بأنفسنا عن “التدخل” فيما تروننا غير أهل له. ولكن وبالرغم من كل ذلك فقد تمكن اللاجئون من الحفاظ على رابط وثيق مع من عاشوا وتعايشوا معهم؛ مع الناس؛ مع الشعب. تبادلوا دعوات الأفراح أحياناً والعزاء أحياناً أخرى. اختلطت لهجاتهم وتبادلت النساء وصفات الطبخ حتى غاب منطق الضيف والمضيف في العلاقة بين الناس أنفسهم وانحصر في العلاقة الرسمية بين اللاجئ والدولة.

في سوريا، عاش أبي ومن قبله جدي حربين ضد الكيان الصهيوني، وأنا بدوري عشت التوترات التي شابت علاقات سوريا مع الجوار. أذكر أزمات لبنان، أذكر تماما حرب الخليج، ولا تغيب عن ذهني أزمة المياه مع تركيا. عشت كل ذلك كواحد منكم، موقفي كان موقفكم وجرى علي ما جرى على جميعكم. كنت أظن أن ذلك كله –إذا ما أضيف إلى كوني درست مناهجكم وشاركتكم ملاعب طفولتكم وحياتكم الجامعية- يجعلني مؤهلاً إلى أن أبدي رأيي في بعض قضاياكم أو أن يسمح لي، على الأقل، بالتعبير عن مشاعري إزاء ما يحدث مؤخراً في سوريا الحبيبة.

أنا أعلم علم اليقين أنه لن يُسمح لي -بلغة الأوراق الرسمية- بأن أكون سورياً كما أن أخي الفلسطيني في لبنان لن يكون يوماً لبنانياً، ولكن … يبدو أنني أفرطت في التفاؤل والاعتقاد بأنني قد أكون واحداً منكم. كان خطأي أنه لم يساورني شك في أنكم ستقبلونني كسابق عهدكم، كأخ حرص كثير منكم أن يستشيره ويسمع آراءه حول أمور وقضايا عديدة، وكَثُر أن اختلفنا في آراءنا إلا أن ذلك لم يفسد للود قضية. غير أن الحال كان غير الحال هذه المرة، إن المتغير اليوم هو طريقة التعامل مع الرأي الآخر أو “الرأي الضيف” إن صحّ التعبير. أتفاجأ اليوم باقتحام مصطلح الضيافة للعلاقة بين اللاجئ وإخوته مواطني الدولة المضيفة. أتفاجأ اليوم عندما أطرح وجهة نظري فأواجَه بردود صريحة وضمنية ومضمرة تدور كلها حول محور “قاعد بحضنّا وعم تنتف بدقنّا”.

لا يا عزيزي، أنا لا أنتف بذقنك. أنا أتكلم فقط لأن مصلحة بلدك الغالي تعنيني كما تعنيك ولأن أي خير سيعم سوريا سيعود بالنفع علي و عليك أيضاً، ولا تنس أننا سويّة سنتحمل كل العواقب لأي شرّ قد يحدث لا قدّر الله، إلا إن قرّرتَ بالطبع أن ترسل لي مذكرة “غير مرغوب فيه” .

مضيفي الكريم…

أنا في سوريا أتمتع من حقوقك بالحقوق الإنسانية فقط من تعليم وعمل وامتلاك مسكن وما إلى ذلك، غير أنني لا أملك حقوق المواطنة التي تمتلكها (والتي لا أسعى لامتلاكها أصلاً) ولا مشكلة لدي في ذلك على الرغم من أني مكلّف بكل ما عليك من واجبات. ولكن أرجو منك في المرة القادمة، إن لم يعجبك رأيي أن تنتقده كأي رأي آخر من حيث هو رأي مجرد عن صاحبه، فربط رأيي بي بهذه الطريقة إنما يضع نهاية للحوار بطريقة غير حضارية على الإطلاق، حيث أنه يسلبني حقاً آخر من حقوقي الإنسانية ويأسر حريتي في التعبير. والأهم من هذا كله أنه يعكس ارتباكك وضعف إيمانك بما تقدمه أنت من أفكار ولن أذهب بعيداً فأقول “خيانة للخبز والملح”.

أخوك اللاجئ