Posts Tagged ‘باكستان’

بعيداً عن تفاصيل جريمة قتل صحفيي (شارلي ايبدو) في باريس و ما وازاها من احتجاز الرهائن في المتجر اليهودي و كل ما حدث بعدهما خلال مسيرة التضامن الباريسية التي تصدرها نتنياهو ضمن غيره من مدّعي الدفاع عن حرية التعبير:

– في معرة مصرين جبهة النصرة تعدم امرأة في عقدها الخامس أو ربما السادس بتهمة “الزنا”: نحو ثلاثين مقاتلاً مدججاً بالسلاح تركوا “الجبهات” و انصرفوا لإعدام امرأة كانت تتوسلهم رؤية أبنائها. لا تتوسلهم توسل الخائف المرتعد، بل توسل الجاهل غير المدرك لحتفه القريب الذي يُملَى على مسمعه. فلو سمعت رجاءَها وحدَهُ دون كليشيهات الإعدام المقيتة التي يرددها “المجاهدون” لحسبت أن ما يحول بينها و بين رؤية أبنائها هو حادث بسيط سيمر حيناً  و تعود بعده إلى فلذات كبدها. “بس بدي شوف ولادي، الله يوفقكون” تُردِدُها حتى إذا فرغ رئيس العصابة من تلاوة الآيات و هو يحسب أنه أزاح الله من عرشه لينطق باسمه و يوعِزَ بتنفيذ الإعدام، تَرفعُ المسكينةُ رأسها مجدداً لتعيد الطلب بكل سذاجة و كأنها لم تسمع بالقتل يوماً و لم تفهم له معنىً، فتلاقيها طلقة المسدس في أعلى رأسها لترميها أرضاً وسط التهليل و التكبير و الانتشاء بالانتصار لدين شيطانهم الذي يسمونه الله.

– في “المحرر” زهران علوش يصفي حساباته مع أبو علي خبية: ضاقت الأرض بـ “أخوة المنهج” فباتوا اليوم يتقاتلون فيما بينهم و ينشرون الوسِخَ من غسيل بعضهم البعض. فزهران علوش -الإصدار المحلي من أبو بكر البغدادي- قرر أنه لن يسمح بعد الآن للمفسدين بحمل السلاح و قيادة الكتائب، و كجزء من الخطة باشر “جيش الإسلام” بنشر مواد مصورة لقياديين في “جيش الأمة” يظهر فيها “فسادهم”. ففي أحد المقاطع يظهر الموسيقار خبية ضمن مجموعة من “المجاهدين” متظاهراً بالعزف على الأورغ و يسانده فرد آخر من العصابة بالعزف على البزق بينما الموسيقى التي يحرمونها تلعب في الخلفية. و في فيديو آخر يظهر الحاكم بأمر الله خبية و هو يأمر بإعدام شاب متذرعاً بأن “القضاء الشرعي لم يستطع البت بأمره”  و يتوعد كل “الكلاب” على امتداد سوريا بمصير مشابه

– في نيجيريا بوكو حرام تحرق مدناً، تحتجز رهائناً و تقتل بالجملة: أكثر من ألفين ضحية سقطت على يد بوكو حرام في الأيام الأخيرة، منهم 19 تم قتلهم في عملية انتحارية نفذت باستخدام فتاة تبلغ من العمر 10 سنوات، أغلب الظن أنها أُرسلت بين الجمع و تم تفجيرها عن بعد. 10 سنوات. هذا بالإضافة إلى أزمة الفتيات ال276 و اللاتي اختطفتهن بوكو حرام من مدرستهن في شيبوك. جدير بالذكر أن الفتيات “اعتنقن الإسلام بفضل الله”

– في باكستان، طالبان-باكستان تعدم طلاب مدرسة ثانوية داخل القاعات الدراسية: فانتقاماً من آباء أولئك الطلاب العاملين في الجيش، اقتحم مقاتلون من طالبان-باكستان المدرسة و تنقلوا من قاعة إلى قاعة قاتلين 141 من التلاميذ و المعلمين. هجوم عنيف دفع حتى طالبان في أفغانستان لإدانته، إلا أن الأخيرة نفذت هجوماً مماثلاً بعد يومين فقط على مصرف في أفغانستان.

– في أفغانستان اشتباكات بين طالبان و داعش: في مسعى تنظيم داعش لتجنيد المزيد من المقاتلين، في أفغانستان هذه المرة، سُجّلت اشتباكات ضارية بين عناصر من طالبان و آخرين من داعش. و هنا مخرج جديد لهواة الاصطفافات. فمن اختار يوماً أن يكون في صف أحد المتصارعين، داعش أو النظام السوري، لمجرد اختلافه مع أحد الطرفين، أصبح بإمكانه أن يضم الآن حركة طالبان لقائمة خياراته.

كل هذا و المسلمون يعلمون تماماً ما يترتب على العالم كله أن يفعل للتصدي للإرهاب، و يطلبون ذلك بكل جرأة. بعلمون أن هؤلاء لا يمثلون “الإسلام الحقيقي” (الذي نتحرج من تعريفه و إزالة شوائبه). و يعلمون أن سياسات الغرب الاستعماري في المائة عام الماضية و تواطأه مع الحكومات المستبدة في الشرق هي التي أرست دعائم هذا الفكر و هيأت له الأرضية مدعِّمةً كل من يريد أن يتجه في هذا الاتجاه بكافة أسباب الجهل و الفقر و القهر و الاستبداد. و يعلمون أيضاً أن الكثير من الحكومات الغربية الحالية تمد العديد من التنظيمات الإرهابية ، حتى في أيامنا هذه، بالسلاح و المال بشكل مباشر أو غير مباشر. كما يعلم المسلمون بأن الغرب “الكافر” الذي يدّعي دفاعه عن حرية التعبير المطلقة، يكيل بمكيالين عندما يتطرق التعبير لتناول بعض المحرمات كالسياسات الإسرائيلية بحجة معاداة السامية مثلاً. و لا شك يشاركهم في هذه الفطنة بعض الرفاق الـ(تشي غيفاريون) المستعدون لتقديم أمهاتهم سبايا لداعش في سبيل تسجيل نقطة على الغرب “الإمبريالي”.

يعلم المسلمون كل ذلك، إلا أنهم لا يعلمون -إلا من رحم ربي- ما يجب عليهم، هم، فعله. فبينما شريحة واسعة جداً لا تجد حرجاً البتة في عمليات شبيهة بعملية (شارلي ايبدو)، مع بالغ الأسف، ما زالت الغالبية الساحقة من المسلمين تتجاهل كل ما يحيط بالظاهرة الجهادية حول العالم مكتفية بعزل نفسها عن تلك الممارسات تحت شعارات شبيهة بـ “ليس باسمي not in my name” . على المسلمين أن يعوا واجبهم في التصدي لهذه الحركات بالسرعة القصوى و بما تمليه عليهم المسؤولية العظمى. لم يعد يكفي الاطمئنان إلى موقف الغالبية العظمى في أوروبا و أمريكا و أستراليا و السير مع تلك الغالبية بنفس السرعة. على المسلمين يضاعفوا الجهود و يتصدروا المشهد قبل فوات الأوان، و عوضاً عن إلقاء اللائمة على السيسي في دعوته لمراجعة النصوص الدينية “لتنقيتها من العنف” فلنتحمل جميعاً مسؤولية تجاهلنا لهذا الدور كل تلك السنين حتى تركناه لأمثال السيسي. لا شك أن بعض من سيقرؤون هذا النص سيستشيطون غضباً لما يحسبونه “غيرة على إسلامهم”. ولا شك أيضاً أن أولئك الحريصين على دينهم (اليوم)، إن لم يتصرفوا بموجب هذا الحرص، لن يطول بهم الحال حتى يجدوا أنفسهم بلا دين.

معرة مصرينا