Posts Tagged ‘الجبهة الشعبية’

استشهد الشاب معتز حجازي في سلوان بالقدس منذ أقل من أسبوعين و تحديداً في 30 أكتوبر (تشرين الأول) إثر قتله للحاخام الصهيوني يهودا غليك. وقبل أن يجف دم الشهيد أتحفتنا حركة فتح من جهة و حركة الجهاد الإسلامي من جهة أخرى ببيانين يتبنيان فيهما “العملية”، و كل على حدة.

كما استشهد الأربعاء الماضي، الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، إبراهيم العكاري، إثر قيامه بدهس تجمع للمستوطنين في القدس قَتَل فيه اثنين و أصاب آخرين. ليخرج علينا ابن قيادي في الحركة الإسلامية في الداخل معلقاً على مقطع فيديو لشقيق الشهيد يظهر فيه بوضوح أن المتحدث ينطلق من منطلق إسلامي. أما ابن الحركة الإسلامية البار و النبيه فقد استنتج من مقطع الفيديو أن (الخطاب يبرهن أنه لن ينال شرف الدفاع عن الأقصى و الشهادة في سبيله إلا “أتباع محمد”، و أنه لا نصيب من ذلك لأتباع لينين و ماركس و غاندي).

بالأمس أعدمت الشرطة الإسرائيلية الشاب خير حمدان بدم بارد في (كفركنا)، إثر هجومه على سيارتهم (المصفحة غالباً) بـ …….. سكين. و في حين أن سيارة الشرطة هذه كان بإمكانها تجاهل الشاب و متابعة سيرها دون أي أذى، إلا أن أربعة من عناصر الشرطة اختارو أن يترجلوا من السيارة و يطلقوا النار الحي على ظهر الشاب من مسافة قريبة جداً و دون مواجهة. و رداً على الحادثة، انتفضت خلال اليومين الماضيين قطاعات واسعة من الفلسطينيين (الفلسطينيين فقط دون نكهات أو ألوان أخرى) في الداخل، انتماؤهم الوحيد لفلسطين و قبلة صوتهم الوحيدة، روح الشهيد خير حمدان.

فيديو إعدام الشاب خير حمدان من قبل الشرطة الإسرائيلية

هذه الانتفاضة “الصغيرة” و ما سبقها من تحركات شبابية انطلقت بوضوح عام 2013 تبشر، و لو من قريب، بأن الفلسطينيين (في الداخل على الأقل) سينهضون قريباً من تحت ركام الحركات و الأحزاب و الجبهات المقيتة، و التي عاشت طيلة سنين النكبة على مص دم الفلسطينيين و تاجرت و حاربت بهم و بأسمائهم لخدمة مصالح فئوية ضيقة رخيصة. و لعل التخلص من هذه التكتلات السرطانية هي أولى الخطوات اللازمة على طريق الحرية.

كفركنا

كامل التراب الوطني

للمرة الأولى منذ عام 1947 اتفق العالم بالأمس على اسم للأرض “المتنازع عليها” والتي تتوزع على بقعتين منفصلتين تشكلان 22% فقط من أرض فلسطين

فمنذ إصدار قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947، والذي نص على إقامة دولتين، يهودية وعربية على أرض فلسطين، لم يعترف العالم إلا بالدولة اليهودية التي أطلق عليها اسم “إسرائيل”، بينما بقي الجزء الآخر بلا هوية، لا يبالي أحد باستباحته لبناء امتدادات للدولة الدخيلة.

كل ذلك، بالطبع، لا يعني أي شيء لانتمائي لفلسطين، فلسطين كلها بجليلها وبحرها وضفتها وغزتها ونقبها وكل حبة تراب فيها.

ولكن، ومع بالغ الأسف، فإن الانتماء والتمسك بالتاريخ وحدهما، على أهميتهما كسلاح، لا يعيدان أرضاً ما زال العالم بأسره- بشرقه وغربه وقبلهم جميعاً بعربه- يبيعها شبراً شبراً منذ نهايات القرن التاسع عشر.

لم يكن مستغرباً أن تفجر خطوة ذهاب السلطة الفلسطينية ممثلة بأبو مازن إلى الأمم المتحدة، لانتزاع الاعتراف بدولة فلسطين، كل ذلك الجدل بين شرائح المجتمع الفلسطيني المختلفة في الداخل والشتات وحتى ضمن صفوف الفصيل الواحد. ولعل أبرز الملاحظات التي سجلت على الأداء الفلسطيني خلال هذه الفترة هو ما وصف بأنه تخلي فصائل المقاومة الفلسطينية عن الثوابت الوطنية في وتنازلها عن أرض فلسطين المحتلة عام 1948. والمقصود هنا بالطبع حركة حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اللتين دعمتا تحرك السلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة، بينما استمرت حركة الجهاد الإسلامي على موقفها الرافض لتسمية أي دولة قبل تحرير كامل الأرض.

بمعنى آخر، ترى شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني أنها خذلت من قبل المقاومة التي رضخت أخيراً إلى اتفاقية أوسلو التي تشرّع وجود إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، وقبلت بأرض محدودة مفتتة على بعض أراضي الضفة وغزة.

لست هنا بالطبع في معرض الدفاع عن حماس أو الجبهة الشعبية أو مهاجمة أي فصيل آخر، ولكنني أؤمن بأن علينا أن نتحلى بالإنصاف في قراءة المواقف. فالفصائل التي دعمت توجه السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة لانتزاع الاعتراف الدولي، لم توافق بالضرورة على اتفاقية أوسلو ولا يعني ذلك الدعم بأية حال من الأحوال الاعتراف بشرعية إسرائيل بتاتاً. وإنما أرى ذلك في إطار تثبيت الحق الفلسطيني على يمكن في اللحظة الراهنة لتأمين ظروف عمل أفضل لتحقيق التحرير.

ولعل البعض يرى في هذا المنطق نفس النهج الذي انتهجه أبو عمار في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والذي لطالما عارضته الفصائل بسببه علماً أنها قد تبدو سائرة على ذات الخطى الآن.

لا شك ان الفصائل التي لم تكن قد انخرطت بعدُ في العمل السياسي تمتعت في السابق بقدر من الرفاهية التي تستطيع من خلالها تسجيل مواقف أكثر جرأة وثورية، إلا أنها أصبحت اليوم أكثر “براغماتية” وتحفظاً تجاه بعض من مواقفها السابقة تلك.

إلا أنه يجب تسليط الضوء على فرق جوهري واضح بين اتفاقية أوسلو من جهة وبين تثبيت (أو بالأحرى استرجاع) الحق الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 من جهة أخرى. ذلك أن الموقف الأخير كما ينكر استمرار احتلال إسرائيل لأراضي الضفة الغربية، لا يعطيها الشرعية للبقاء على الأراضي المحتلة عام 1948 بتاتاً. ثم إن هذا القرار إن استثمر بالشكل الصحيح يمكن أن يرفع عن الفلسطينيين وزر أوسلو التي ما هي إلا اتفاقية بين فئتين متنازعتين، في حين أن القرار الجديد يمثل شرعية دولية وبالتالي مرجعية أعلى بسقف أعلى للفلسطينين.

وفي ضوء ما تقدم، لا أجد سبباً يمنع الفلسطينيين من الاستفادة مما يقدمه هذا الاعتراف من نفع تناولته العديد من المقالات الصحفية والمراجعات القانونية والتي يتلخص أهمها فيما يلي:

– إن الأرض الغير مسماة دولياً والتي لازالت تتقلص بفعل الاحتلال والاستيطان منذ بدايات هجرة اليهود إلى فلسطين برعاية الإنكليز والعرب، تعود اليوم بأثر رجعي لتتوقف عند حدود 1967 باعتراف الأغلبية الساحقة من الإنسانية. نعم ليست تلك الأرض كل فلسطين، ولكنها فلسطين لا شك.

-كما يجب أن يضع اعتراف العالم بدولة فلسطين حداً لاستباحة إسرائيل لحريات الفلسطينيين و اعتقال من شاءت منهم (غالباً بتنسيق مع السلطة الفلسطينية للأسف) على خلفية اتهامات جنائية وإرهابية باطلة. فمن خلال الاعتراف الدولي يكتسب الأسرى الفلسطينيون صفة أسرى الحرب، ما يعزز أحقيتهم في الاستمرار بمقاومة الاحتلال باعتراف القانون الدولي.

– أضف إلى ذلك أن باستطاعة دولة فلسطين الآن الانضمام إلى محكمة العدل الدولية واللجوء إليها في قضايا الاغتيالات والاستيطان والجدار العازل ناهيك عن جرائم الحرب التي ترتكب في غزة بين الحين والآخر. وبالرغم من تعهد محمود عباس بعدم الذهاب إلى محكمة العدل الدولية لتقديم شكاوىً في قضايا سابقة، إلا أن هذا التعهد لا يلزم سواه، أي يلزم شخصه فقط، ولا ينسحب ذلك على الحكومات القادمة التي سينصبها الربيع الفلسطيني القادم لا محالة.

– ثم إن في تثبيت الاعتراف بدولة فلسطين ضمن حدود 1967 تأكيد اعتراف كل من ساند القرار بأن القدس عاصمة لدولة فلسطين وليست عاصمة إسرائيل بأي حال من الأحوال. والكل مدعوون الآن إلى افتتاح سفاراتهم في القدس الشريف لتثبيت هذا الاعتراف. وفي هذا سحب للبساط من تحت قدمي إسرائيل التي تشكل لها القدس حجر الأساس، فإن هي خسرته، انهيار كيانها كله.

كان هذا فيما يتعلق بإيجابيات القرار رقم 195 أما على الجانب الآخر، فلا يمكنني أنكر على المتخوفين من تغير موقف المقاومة على الإطلاق. فكل تلك التخوفات مشروعة وفيها من الواقعية الشيء الكثير، فنحن شعب نالت منا خيانة القريب والغريب كثيراً، وعندما لم تكن كارثتنا في الخيانة، كانت في سوء الإدارة واضطرار بعض القيادات في بعض الظروف القاهرة للرضوخ لضغوط مختلفة والانحدار في مهاوٍ كانت معروفة النتائج مسبقاً، ولكنها للأسف كانت أقرب للحتمية.

ولذلك فإن أكثر الضرورات حتمية اليوم، هي استمرار ملاحقة الشعب الفلسطيني لكافة قيادات الفصائل بالنقد والأسئلة الملحّة ومراجعة المسار لضمان تحديد الهدف الرئيس بعنوان: استرجاع كامل فلسطين من البحر إلى النهر، بدون أي مواربة أو تواطؤ.

وأنا كغالبية الفلسطينيين، لست منحازاً إلى أي فصيل. انحيازي الوحيد لم يكن يوماً ولن يكون إلا لفلسطين الوطن، و لن تحظَ أي قيادة لا في فلسطين ولا خارجها بإيماني المطلق. فليس أهلاً لذلك الإيمان إلا شعبي الفلسطيني العظيم الذي أثق به وبقدرته على الاستمرار. فشعب يواصل المسيرة عبر كل ما مر به لم يكن ليستمر لولا أنه -لسبب بسيط- فلسطيني. كان حرياً بشعب آخر أن ينقرض وتندثر هويته لو مر بعشر ما مر به الفلسطينيون، ولا أبالغ.

إلا أنني أعتقد أنه آن للفلسطينيين الآن أن يأخذوا زمام المبادرة ويطلقوا خطوط نضالهم على الجبهات السياسية والعسكرية في آن معاً. فالعالم كله لن يستمر في دعم الكيان الصهيوني إلى الأبد، ولا أدل على ذلك إلا حقيقة أن سبع دول فقط (غالبيتها صغيرة جداً وكلها تابعة بالمطلق لأميركا) إلى جانب إسرائيل وأميركا قد عارضت القرار وهو ما يشي بتغير المشهد الدولي و ازدياد العزلة التي تعانيها إسرائيل أكثر فأكثر حتى في أوروبا.

لا يمكن لأحد في العالم أن يمنعنا من امتلاك وتطوير سلاح المقاومة طالما أن لنا أرضاً محتلة. كما لن يستطيع أحد أن يمنع الساسة الفلسطينيين (إن صدق منهم العزم) من مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية. ولكن العالم كله بشرقه وغربه، ديمقراطييه وديكتاتورييه بل و حتى إسلامييه، و ربما القاعدة أيضاً على طريقتها، سيحاربون الفلسطينيين إن هم قرروا تحرير فلسطين دفعة واحدة (في حال امتلاكهم للإمكانيات يوماً ما).

وختاماً، لا أعتقد أن هذا الاعتراف تثبيت لخسارة الفلسطينيين 78% من أرضهم. كما أنه أبعد ما يكون عن انتصار بالمعنى المطلق للكلمة. إنما هو مكسب حقيقي (إذا ما حسُن استغلاله) و يفرض على الفلسطينيين العمل بجدية أكثر لتحقيق المزيد من المكاسب السياسية والحقوقية والعسكرية من خلال كل ما هو متاح من منصات عمل ليست المفاوضات أياً منها بالطبع. فهاهو التاريخ يثبت لنا أن الخطوات الأحادية الجانب هي وحدها التي تثمر في النهاية.

فلسطين الحبيبة… لك مني مبروك “حذرة”

ناجي