Archive for the ‘15 March’ Category

بتهمة “امتهان الدعارة” ، أعدمت جبهة النصرة اليوم امرأة أخرى في سوريا برصاصة في الرأس. و على أحد بوستات الفيسبوك التي تدين هذا الفعل، انبرى المدافعون عن الإسلام لدحض ارتباط هذه الجريمة النكراء به. أمر رأيناه سابقاً عندما قام داعش برجم أكثر من امرأة حتى الموت بتهمة الزنا.

إلا أن هذا الدرء عن الإسلام للأسف، لا يأت إلا دفاعاً عما يؤمن به البعض، بغض النظر عن أصالته. فمن ضمن العينات التي أنكرت الفعل الأخير لجبهة النصرة، كان التعليق أدناه:

حد

و هذا مجرد عينة واحدة تمثل شريحة واسعة ممن تناولوا الأمر.

فمن حيث فرّ منكرو جريمة داعش، لجأ منكرو جريمة النصرة و أصبحوا ينادون بالإعدام رجماً “عملاً بتعاليم الإسلام الرحيمة”. و الحقيقة أن أصحاب العقول المخبولة هؤلاء لا يسعون إلا لدرء ارتباطهم بهذه الأفعال بأية طريقة كانت، مهما جافت طريقتهم المنطق و حتى إن ادّعوا (أو شُبه لهم) أنهم يدرؤون عن الإسلام. هؤلاء لا يعلمون أي إسلام يتبعون بالأساس. كل ما يفعلونه هو الهروب من أقرب مخرج نجاة، حتى و إن أدى بهم إلى جحيم آخر.

بهائم على دين آبائهم

شعفاطمذهل ومرعب هذا التشابه بين الحادثتين. مذهل من حيث تشابه أطراف اللعبة في الحالتين، ومرعب حيال احتمال تشابه مصير الحراكين.

ليس جديداً استباحة جيش الاحتلال الإسرائيلي للحجر والبشر في الضفة، وليس جديداً الكابوس المتجدد الذي يعيشه الفلسطينيون هناك بشكل يومي بمعية السلطة الفلسطينية. إلا أن الملفت للنظر تسارع الأحداث بهذه الصورة بعد حادثة اختطاف وقتل المستوطنين الثلاثة وتصاعد وتيرة الاعتقالات التي حصدت المئات في الأسابيع الثلاثة التالية للحادثة إضافة إلى استشهاد سبعة عشر فلسطينياً قبل اختطاف وقتل الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير (17 عاماً) وحرقه من قبل مستوطنين، الأمر الذي أدى إلى انفجار الوضع ونفاذ صبر الفلسطينيين وانطلاقهم إلى الشوارع فيما يمكن أن يمهد لانتفاضة ثالثة.

لعل الكثير من علامات الاستفهام تبرز حول الأحداث الأخيرة ابتداءً –ربّما- بالإعلان عن كسر الأسرى الإداريين إضرابهم عن الطعام قبيل استعار الحراك المتضامن معهم مع عدم ذكر أي تفاصيل كان من المفترض أن يقدّمها محاموهم ولم يفعلوا. وبالعودة لحادثة الخطف، يستمرّ اختفاء مروان القواسمي وعامر أبو عيشة المتهمين الأساسيين والذين فجر جيش الاحتلال منزليهما منذ أيام، إضافة إلى استمرار اللغط حول تجاهل أجهزة الشرطة الإسرائيلية بلاغ اختفاء المستوطنين الثلاثة، وغير ذلك من الأحداث المتزامنة التي قد تشير إلى بعض الروابط الناقصة بين تفاصيلها. إلا أنه، وبغض النظر عن كل ما سبق و عن كل نظريات المؤامرة التي تحفزها تلك الحوادث، فإنه لا يخفى مدى التشابه بين ظروف انطلاق الحالة الأخيرة من الحراك الفلسطيني (كنتيجة نهائية) ومكونات مشهده مع ما حصل سابقاً في آذار (مارس) عام 2011 في سوريا.

بإمكاننا عنونة المشهد العام في الحالتين بظلم مُعمّم وممارسات قمعية يمارسها نظام استبدادي مجرم ضد شعب محروم من أبسط حقوقه في العيش الكريم ويتخلله مكونات أربعة تتفاعل داخله على النحو الآتي:

–          فئة حالها حال الأغلبية الساحقة من الشعب الذي يعاني بمجمله من الظلم والقهر، صادف أن تكون هي الضحية المباشرة لجريمة بشعة ارتكبت عمداً أو ضمن إطار الجور الذي أصبح قاعدة، فأدّت إلى نفاذ صبر الحاضن الاجتماعي لهذه الشريحة وانعكست ارتداداتها كالزلزال في أوساط أخرى في المجتمع.

–          فئة انتفضت في وجه العدوان والظلم الممنهج لاسترداد كرامتها وحقوقها لكنها بقيت وحيدة في الساحة في سوريا وما زالت وحيدة في فلسطين حتى اليوم.

–          في المقابل، فئة متواطئة مع المعتدي تمثلت في سوريا برجال الأعمال والمنتفعين المباشرين من استمرار النظام في سدة الحكم. أما في فلسطين فتكاد السلطة الفلسطينية تحتكر هذا الدور في الضفة و تساهم كل يوم في امتداد رقعة اعتداءات المحتل لتطال المزيد من أبناء شعبها. وفي أراضي الـ48، لم تُبدِ القوى السياسية العربية اهتماماً بالحراك بالقدر الذي تهتم بانتخابات رئاسة البلديات و المجالس المحلية للأسف. أما وإن أبدت تلك القوى السياسية أي تفاعل فإنه لم يغادر دائرة المزاودات على بعضها البعض.

–          الفئة الأخيرة تشكل الغالبية العددية العظمى وهي غير مستعدة لتقديم أي تضحيات أو حتى مد يد العون لمن يسعون لاسترداد كرامتهم وكرامتها. أولئك انحصر دورهم بداية في سوريا وسينحصر في فلسطين كذلك في انتقاد الشريحة المتصدية الثائرة وادعاء أن الوقت مازال غير مناسب لأخذ الأمور في هذا المنحى، وأنه من العبث التخلي عن بعض أشكال “الترف” الذي نعيشه في سبيل مصير مجهول، ومن ثم تصل قمة ثورة هذه الشريحة إلى لعن “الطرفين” مساوين بين الجلاد والضحية ومتجاهلين حقيقة أن هناك طرفاً مقموعاً وطرفاً يمارس القمع. وأن طرفاً يقتُل والآخر يُقتَل.

لربما تتشابه كل أسباب الثورات حول العالم إلا أن قرب المثال السوري زمنياً وفداحة نتائجه حتى قبل إنجازه، ووضوح وتطابق تصنيف عناصر المشهد في الحالتين يدفعنا لإجراء المقاربة لاستخلاص العبر، فجدية المرحلة لا تتيح لنا رفاهية إغماض أعيننا عن التجارب المماثلة والبدء من جديد في كل مرة.

لا شك أن أبرز نقاط التشابه بين الحراكين هي المحدودية والانحسار ضمن شريحة ضيقة، فأخطر ما في التوجه الحالي للحراك الفلسطيني وخاصة داخل الخط الأخضر، هو أن العنصر الشبابي المتحمس المندفع هو الفاعل الوحيد في الشارع في مواجهة آلة القمع الإسرائيلية، ولن يمر وقت طويل حتى يضطر هذا الخط لمواجهة معركة استنزاف جدلية مع العنصر الرابع المكون للمشهد والذي سيحاول تثبيط الشباب وتحميلهم مسؤولية كل النتائج السلبية التي قد تترتب على الحراك.

وكما في المثال السوري، فإن أعظم مكامن الخطورة، في ظل غياب الدعم المؤسسي للانتفاضة الشعبية، أن يتم استغلال الاندفاع الجارف لدى الشباب لإبعاد الحراك خارج منطقة قوته ومساحة تمكنه من الدفاع عن نفسه واستمراره. فيكفي دس سلاح واحد في مظاهرة واحدة، وإطلاق النار في الهواء حتى يرد “جيش الدفاع” بنار حي ويوقع شهداء بنفس الحجة التي ادعاها سلفه الصالح في سوريا. وبعدها سيحمل العشرات أسلحة للانتقام لرفاقهم ويدخل الحراك في دوامة من العنف يكون فيها هو الطرف الأضعف بدون شك. ولا يجب أن يفهم من هذا أن على الشباب الثائر الآن في الداخل الفلسطيني أن يتراجع عن أي من فعالياته على الأرض. إنما يتوجب عليه شدة الحرص على مواصلة مراجعة نشاطاته وعدم التطوع لتغطية أي دور مسلح أو سياسي متقدم. وحتى لا تذهب جهود وتضحيات الشباب المنتفض هباءً فإن على القوى السياسية وفصائل المقاومة أن تردف هذا الحراك بتصعيد فعال وفق استراتيجية جادة لا تدع الحراك الشبابي يتيماً في الشارع.

بعبارة أوضح، فإن الحل لا يكمن في تراجع الشباب عن حراكهم. بل في أن يقف الجميع أمام مسؤولياتهم ويتوقف المتقاعسون والمثبطون على المستوى الشعبي عن الانتظار إلى الأبد. وأقصى ما قد يكون على الشباب فعله اليوم إيجاد صيغة لقيادة الحراك الجماهيري تضمن الموازنة بين انضباطه من جهة ومرونة اتخاذ القرار والتحرك من جهة أخرى لضرورة الحذر من الاختراق السّهل جداً في ظل اللامركزية والعفوية المطلقة الحالية.

مقدمة

من المعلوم أن زيارة اللاجئين الفلسطينيين على تنوعهم -سوريين، لبنانيين، أردنيين- لمصر كانت من أشباه المستحيلات أيام مبارك. إلا أن هذه الصورة بدأت تتغير بعد الثورة المصرية فبدأنا نرى الكثير من الفلسطينيين يترددون على مصر بكثرة للقاء أهلهم القادمين من خارج مصر أو لزيارة أصدقاء أو لمجرد رؤية ذلك البلد الذي لطالما تاقوا لرؤيته وحرمهم ذلك النظام السابق. أضف إلى ذلك مئات الفلسطينيين، إن لم نقل الآلاف، الذين عبروا إلى ليبيا عن طريق مصر بحثاً عن لقمة عيش. كل ذلك كان يحدث دون أن نسمع أن أحداً من أولئك منع من الدخول أو العبور لأي سبب كان.

وبالفعل، كنت أنا أحد أولئك الفلسطينيين اللاجئين الذين زاروا مصر أوائل شهر أيلول (سبتمبر) من هذا العام أي قبل حوالي شهر من تاريخ كتابة هذا المقال. وجدير بالذكر أنه قد تمت معاملتي على أني لاجئ فلسطيني وليس كسوري. ففي بطاقة الدخول المرفقة مع جواز السفر (الوثيقة بالأحرى) كنت قد كتبت في حقل الجنسية: سوري لتلافي أي سوء فهم ناتج عن إدراج الجنسية كـ: فلسطيني وتقديم جواز سفر باسم (الجمهورية العربية السورية) فلطالما كانت هذه المعلومة مكان جدل في كافة معاملاتنا حيث أننا في الحقيقة لسنا فلسطينيين ولا سوريين. إلا أن موظفة الجوازات رأت أن تكتب كامل الشرح المتعلق بالجنسية وشطبت “سوري” واستبدلتها بـ “فلسطيني-سوري وثيقة”.

أما عند الخروج، فقد قدمت جواز سفري مرفقاً ببطاقة المغادرة وكنت قد ملأت حقل الجنسية فيها بـ فلسطيني سوري. فأضافت موظفة الجوازات إلى ذلك كلمة (وثيقة). وختمت لي الجواز وغادرت دون أي استجواب يذكر. وفيما يلي أختام الدخول والخروج التي حصلت عليها.

Image

ختمي الدخول والخروج إلى مصر في زيارة سابقة

كانت هذه المقدمة ضرورية للقارئ لفهم مجريات احتجازي وترحيلي من مطار القاهرة في زيارة لاحقة. وإليكم التفاصيل فيما يلي

الوصول

هبطت الطائرة في مطار القاهرة الدولي حوالي الساعة 12:20 بعد ظهر يوم التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري واتجهت بصحبة ابن عم لي إلى نافذة مراقبة الجوازات حيث أخذت جوازاتنا للتدقيق وانتظرنا ريثما يصدر القرار. وهو ما لم يحصل معي في المرة السابقة.

على أية حال، نودي على أسمائنا ودعينا إلى مكتب الأمن الوطني ضمن قسم الحجز ورافقنا أحد الموظفين الذي همس لي: “إحنا عاوزين نسهل أموركو وإن شاء الله الموضوع بسيط. بس إنت زبطنا و احنا نزبطك.”

فهمت ما وراء الرجل وأنه يشير إلى أنني إن رشوتهم فأموري ستسير بسلاسة. ولكنني كنت مفرطاً بالتفاؤل وظننت أن مصر اليوم غير مصر البارحة، فلم أعر الرجل أي اهتمام.

التحقيق

Image

رسم تقريبي لقسم التحقيق والحجز في مطارة القاهرة الدولي

 بدأ التحقيق مع ابن عمي أولاً لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة ثم نوديت أنا لتنهال علي الأسئلة حول غرضي من زيارة مصر ومدة إقامتي ومكانها وكيفية دخولي في المرة الأولى.

كانت إجاباتي كلها من خلال ما قدمت من أوراق لتذكرة العودة خاصتي والحجز الفندقي. ثم تناول النقاش موضع عملي وإقامتي في دبي وطبيعة عملي  وموضوع إقامتي في أستراليا بطريقة مستفزة حاول المحقق من خلالها أن يظهر أنه “قد توصل إلى فك شيفرة المعسكرات المتآمرة التي تقف ورائي”.

عملت على الحفاظ على هدوء أعصابي قدر المستطاع فاستفزه ذلك وأخذ يهددني بأنه سيبحث في دخولي الأول “غير القانوني برأيه” إلى مصر.فكان الحوار التالي:

المحقق: إن دخولك في المرة الأولى مخالف للقانون.

أنا: كيف يكون دخولي مخالفاً للقانون وقد دخلت وغادرت من المطار وعلى جواز سفري ختمان نظاميان؟

المحقق: هذا خطأ وقع فيه موظفونا وسنحاسب من أخطأ منهم، ولكن هذا لا يمنع في الحقيقة أنك دخلت مخالفاً للقانون. قد يكون الخطأ الذي وقعنا فيه أننا عاملناك كسوري غير منتبهين إلى أن ما تحمله هو وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين وليس جواز سفر.

أنا: اعذرني ولكن الوصف غير دقيق. يمكن أن تعود إلى سجلاتكم لترى أن بطاقتي الدخول والخروج في المرة الماضية كتب عليهما بخط يد موظفيكم كلمة (وثيقة). أي أنهما انتبها لها ولم يعاملاني كسوري.

ضابط الأمن: كل هذا لا ينفي حقيقة أنك دخلت مخالفاً للقانون

عند هذه النقطة لم يعد للجدال أي نفع ولم يكن من المفيد أن أعدد عشرات القصص عن فلسطينيين – سوريين دخلوا وخرجوا بكل سلاسة ودون أي منغصات كتلك التي كانت تحدث معي.

بعد خمس دقائق من خروجي من مكتب الأمن الوطني جاء القرار بترحيلي والسماح لابن عمي بدخول مصر مع العلم أنه طالب و ليس لديه أي حجز فندقي ولا حتى تذكرة عودة علماً أنه أفاد في التحقيق أنه قادم معي وليس لديه من يستقبله في مصر.

الخلاصة أن ضابط الأمن رأى في ابن عمي (الطالب) شخصاً لا يمكن الاستفادة منه في شيء فسمح بخروجه بينما احتفظ بصيده الثمين الذي أتى بكل ما يلزم لرحلة سائح والذي يعمل مديراً للمبيعات في شركة في دبي، الأمر الذي أوحى له بأني الشخص المناسب لأدفع دية خروجي التي يفرضها هو.

غادر ابن عمي بسلام وبدأ الشرطي بملء أوراق ترحيلي قاصداً أن يستغرق كل وقته في ذلك لكي يمنحني الفرصة لأدخل أترجى ضابط الأمن ليخرجني فأدفع للجميع ما يريدونه.أكثر من ساعة ونصف قضيتها دون أن يخبروني متى ستكون الرحلة القادمة التي من المفترض أن أستقلها عائداً إلى دبي. حتى فقدوا الأمل من مراجعتي في النهاية وأمروني بتسليم متعلقاتي والدخول إلى مهاجع الحجز.

الكاميرا والهاتف

طلبوا مني تسليم أجهزتي الخلوية  فأخبرتهم بأن لدي حقيبة الكاميرا أيضاً وهي كاميرا احترافية مع بعض العدسات، فكان الحوار التالي:

الشرطي: أين أجهزتك الخلوية؟

أنا: أريد أن أجري بعض الاتصالات أولاً حتى أخبر أصدقائي بمكاني، ولكنني أريد شحن رصيدي حتى أقوم بذلك. فهل يمكن للسيدة التي تحضر الطلبات للمحتجزين أن تحضر لي بطاقة شحن؟

الشرطي: بطاقة شحن؟؟؟ أنت محتجز. انسى الموضوع

أنا: ولكنني لست مجرماً ومن حقي أن استخدم هاتفي حتى ولو كنت سجيناً بعرفكم

الشرطي: أرجوك لا تضيع وقتنا

أنا: لا حول ولا قوة إلا بالله. حسناً إذا. هذه أجهزتي الخلوية وهذه كاميرتي، مشيراً إلى الحقيبة الكبيرة على ظهري

الشرطي: هذه كلها كاميرا؟؟؟

أنا: نعم. أنا هاوي تصوير

الشرطي: طب افتح افتح

أنا: تفضل

الشرطي: وما هذا كله؟؟؟

أنا: الكاميرا وبعض العدسات

الشرطي: يعني إيه عدسات؟

أنا: عدسات للتصوير. كل عدسة لها اختصاصها

الشرطي: يعني العدسة دي بتصور لحالها بدون الكاميرا؟

أنا: أكيد لأ حضرتك

الشرطي بنظرة خبيثة تنم عن غباء مفرط مطلي ببعض الذكاء: إنت جاي تصور في التحرير؟؟؟ دلوقتي عرفنا الحقيقة

نادى الشرطي هنا على ضابط الأمن ليرى “المصيبة” التي أحملها

ضابط الأمن: اي ده اي ده؟؟؟

فأعدت شرح قصة الكاميرا وعدساتها

ضابط الأمن: إنت بتصور إيه يعني؟

أنا: مناظر طبيعية ومعمار وما إلى ذلك

ضابط الأمن: أيوه عارف بس جاي تصور إيه هنا؟

أنا: أتيت أصور بلدكم الجميل

ضابط الأمن مع نظرة أخت تلك التي وجهها إلي الشرطي قبل لحظات: أيوه أيوه.

أنا: إن أردت يمكنني أن أريك عينات من تصويري

ضابط الأمن: لا لا. أنا ما اعرفش في الحاجات دي

بدأ بعدها الضابط بتفحص محتويات الحقيبة التي وضعت فيها كل ما يلزم لإقامة يومين من ملابس وعطر وشواحن وما إلى ذلك.

ضابط الأمن: إي ده السوائل ده؟؟؟؟؟

وكأن عبوة ناسفة على وشك أن تتفجر

أنا: هذه عطور (حرصت أن آخذ عبوات صغيرة جداً حتى أتمكن من اصحابها إلى الطائرة)

ضابط الأمن: عطور، ها؟؟؟

هنا أحب الشرطي أن يطربنا بمداخلته فقال لضابط الأمن: والله إني مسرور منكم اليوم. فقد قبضتم على هذه الأشياء

ضابط الأمن بانتشاء فاتحي روما: نعم

وهنا كانت حقيبة الكاميرا بكل محتوياتها فرصة جديدة لابتزازي قبل دخولي مهجع الحجز.

وقبل أن أغادر، اعطيتهم ستاند الكاميرا فسألوني: وما هذا؟

أنا: ستاند للكاميرا.

الشرطي والضابط معاً: وستاند كمان؟؟؟!!!

الحجز

أخذوا الكاميرا وأجهزتي الخلوية وسمحوا لي باصطحاب حقيبة العدسات مع تهديد بتحطيم كل محتوياتها إن رؤوا شيئاً منها يخرج من الحقيبة داخل الحجز.

دخلت إلى غرفة الحجز التي لا تصلح بالطبع لإقامة البشر، وفقط حينها أخبروني أن أول رحلة متاحة إلى دبي قد تكون في اليوم التالي، ويمكنني أن أغادر عليها “إن توفر عليها أي مقاعد”. ما يعني أنني كنت سأبقى في الحجز يوماً على أقل تقدير إلى أن تتوفر مقاعد في رحلة قادمة. وببساطة قد لا تتوفر هذه الرحلة حتى أدفع لهم الرشوة التي يريدون.

حرص ضابط الأمن أن يريني وجهه بين الحين والآخر حتى يدفعني لأطلب منه أن أطلب منه إخراجي.

في النهاية طلبت مقابلته ففعل:

أنا: في حل يا حضرة الضابط ولا لأ؟

ضابط الأمن بمنتهى الخبث: إنت قلي بس عايز تصور إيه وأنا هساعدك

أنا: ولكنك رفضت إدخالي قبل أن تعلم بقصة الكاميرا من أساسها. فما علاقة هذا بذاك؟

ضابط الأمن: طب استنى استنى.

بعدها بخمس دقائق طلب مني الشرطي أن أتوجه مجدداً إلى غرفة الاحتجاز.

عدت لبعض الوقت ثم تحدثت إلى الشرطي بمحاذاة نافذة الاحتجاز

أنا: إن كان لا بد من ترحيلي إن كان الأمل معدوماً بدخولي فاسمحو لي بأن بأن أحجز تذكرة عودة على حسابي اليوم فلا أريد أن أقضي اليوم هنا. خلص شفناكو بخير

الشرطي: هتحجز على حسابك؟

أنا: نعم، أريد أن أرحل

الشرطي: يعني أهو!!! معاك فلوس!!!

أنا: نعم طبعا معي فلوس (لا حول ولاقوة إلا بالله)

البحث عن رحلة

اضطررت في النهاية لدفع مبلغ من المال (المبلغ سخيف نوعاً ما، ويوحي بمدى رخص كل تلك العصابة) حتى أستطيع أن أخرج بصحبة أحد أفراد الشرطة لنبحث عن رحلة إلى الإمارات في نفس اليوم.

صاحبني الشرطي إلى مكاتب الطيران لنجد رحلة فحجزت واحدة تطير إلى أبوظبي مساء اليوم نفسه. دفعت ثمن البطاقة ولكن الشرطي احتفظ بها وبجواز سفري وقال لي أنه سيعيدهما لي حال أن ننتهي من إجراءات الترحيل.

شعرت للحظة بالأسى على هذا الشرطي الفقير الذي اضطر لمرافقتي كل ذلك الوقت لنجد رحلة مناسبة. فسألته عن اسمه لأشعره بشيء من الارتياح له. خطر لي وأنا أسأله أنه سيعطيني اسماً وهمياً خشية أن أقدم شكوى ضده وضد زملاءه. ولكنه وقبل أن يرتد إليه طرفه أجاب: حسين. فلم يترك لي مجالاً للشك بأنه صادق.

عند عودتي إلى قسم الحجز طلبت جواز سفري فكان جواب الشرطي: “أدخل جوا أحسن لسا احنا فيها ومش هنخرجك”

أدخلوني بعد ذلك مجدداً إلى الحجز و إذا أتفاجأ بأن كل من القسم ينادون ذلك الشرطي الذي ظننته (حسين المسكين) بـ (علي)!!! أي احتراف هذا للنصب والاحتيال؟!

بقيت في الحجز لساعتين أو أكثر حتى آخر لحظات قبل مغادرة الطائرة عند الساعة الخامسة مساءً حين أوعزوا لي بمرافقة علي (الذي كنت أظنه حسين) إلى باب الباص الذي يأخذنا إلى الطائرة. وحين طلبت جواز سفري رفضوا تسليمه لي حتى أدفع رشوة جديدة. فما كان مني إلا أن غافلت ذلك الـ علي|حسين وأخذت له بضع صور حتى أوثق ما حدث. لسوء الحظ لم يكن الأمر سهلاً لألتقط  صورة واضحة ولكني استصلحت بعضها كما يلي. وأرى من الضرورة بمكان نشر صورة الشرطي حتى يتوفر مرجع لملاحقة كافة المناوبين خلال ذلك اليوم.

 ImageImage

خاتمة

لعل أشد ما حز في نفسي في النهاية هو أني خضعت لرغبة تلك العصابة واضطررت لدفع الرشوة حتى أحمي نفسي. فلولا ذلك لكان من السهل عليهم ان يرتبوا لي تهمة بالاعتداء على أحدهم أو شتم مصر والإساءة لها، ولن يحتاجوا حينها إلى البحث عن شهود، فكل من كان هناك عصابة واحدة.

 لسوء الحظ حدث كل ذلك في بلد خاض ثورة “ناجحة” وقدم شهداء ورغم كل ذلك ما زالت كل تلك الممارسات رائجة باسم الأمن.

إمعان في إذلال الناس وحرمان الدولة من عائد السياحة لسبب بسيط هو أن عصابة صغيرة احتكرت سيادة المطار وقررت أن شخصاً ما لن ينال حقه إلا بعد أن يدفع أتاوة.

ولا يعني هذا التقرير بالطبع أن لدي أي شيء ضد مصر كدولة أو ضد الشعب المصري الكريم، فهناك في الحجز كان يوجد عدد من المصريين، منهم رجل أعمال محتجز على خلفية حكم غيابي يعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي وأخبرني بأنه يحتجز عند كل دخول إلى مصر رغم سقوط القضية منذ زمن.

من المعيب أن يحتكر الفاسدون في مصر قرار الدولة بعد مضي قرابة العامين على نجاح الثورة المصرية وما يزال هناك من يقول أعطوا الرئيس و حكومته وقتاً فالإصلاح لا يأتي دفعة واحدة. ما استعرضته هنا فساد في مطار العاصمة وليس سرقة نعجة في أقاصي الصعيد. إن كانت واجهة البلد ليست أولية لدى الحاكمين اليوم في مصر فلا خير فيهم ولا بأولوياتهم.

وختاماً، أتمنى أن يأتي اليوم الذي أرى فيه الفلسطينيين يعاملون في مصر معاملة مواطني شمعون بيريس، صديق محمد مرسي العزيز*

 مصر بدها حرية.

 ————————————————-

*كما نص كتاب تعيينه للسفير المصري الجديد لدى إسرائيل

أسئلة كثيرة تطرحها ثورات الربيع العربي حول جدوى التحالفات المستقبلية ومدى صيانة تلك التحالفات للسيادة الوطنية ومصالح الشعوب الثائرة. وعلى التوازي تسعفنا الثورات المباركة بإجابات ناجعة تثبت مدى وعي الشعوب التي عانت الكثير في العقود الماضية لتستخلص أخيراً من الدروس والعبر ما يحولها من بوابات خلفية أو خادم لمصالح الحلفاء الكبار إلى لاعب أساسي محدد، معتد بإمكانياته ومستثمر حقيقي لثرواته من جهة، ورافض لأي سياسة استبدادية أو ممارسات دكتاتورية من الممثلين الجدد من جهة أخرى.

في حين ما زالت قلة من معادي ثورات الربيع العربي –ما نجح منها وما زال منها مستمراً- يخرجون علينا بين الفينة والأخرى بملاحظات وتعليقات يسلطون الضوء من خلالها على بعض الأخطاء أو السقطات التي يقع بها الممسكون بزمام البلاد المحررة حيناً وقيادات أو ممثلي الثورات الجارية حيناً آخر. فمن كانوا يتهمون الثوار بالأمس بموالاة الغرب وإسرائيل ويصفونهم بربائب فرنسا وأمريكا أصبحوا لا يجدون ما يعلقون عليه فشلهم اليوم إلا أمثلة من حالات حظر التجول المعدودة التي أعلنت في تونس ما بعد الثورةـ تونس التي انتقلت إلى من الاستبداد إلى الديمقراطية بنجاح شهد له العالم، متناسين حالات حظر الحياة التي عانتها تونس طوال فترة حكم ابن علي حتى أصبح الطلاب التونسيون المبتعثون إلى أوروبا لا يجرؤون على التكلم عن “جلالة السلطان” وشرطته مع أنفسهم ناهيك عن تجنبهم خوض نقاشات حول الموضوعات المحرمة مع أي كان. وفي ليبيا تفجرت إنسانية أولئك عند مقتل القذافي بما وصفوه “طريقة وحشية”. وأنا لا أدافع هنا بطبيعة الحال عن قتل القذافي في ذلك الموقف، فكم تمنيت أن يمثل للمحاكمة ليبوح بكل خياناته وعلاقاته المشبوهة القذرة، ولكنني أتساءل أين كانت تلك الضمائر عندما كان القذافي يقتل الآلاف من شعبه بالطائرات المقاتلة ومضادات الطائرات فيحيل الأجساد أشلاء ممزقة لا يُعرف لها اسم أو هوية. وقد رأينا جميعاً كيف تربصت تلك الفئة بالثوار الليبيين بعد إسقاط النظام البائد حتى نالوا صيدهم الثمين عندما اندلعت بعض المواجهات المسلحة المؤسفة في طرابلس، ملخصين بذلك كل إنجازات الثورة ومتجاهلين اجتيازها لتحدي المصالحة الوطنية بسلاسة أبهرت الكثير من المتخوفين من الانتشار الهائل للسلاح في أوساط مجتمع ليبيا القبلي.

وفي ذات المقام تطول القائمة في مصر واليمن وسوريا بطبيعة الحال، ففي الأخيرة على وجه التحديد حارب مناصروا النظام رئيس المجلس الانتقالي السوري الدكتور برهان غليون عندما صرح بأن سوريا الغد لن يكون لها علاقات مميزة مع إيران وروسيا وحزب الله وكل من يساهم في استمرار عمليات القتل وملاحقة المعارضين. وهو تصريح وإن اتفقنا إلى حد ما على عدم جدارة غليون بالإدلاء به  من حيث هو قرار سياسي من اختصاص البرلمان المنتخب الذي يحدد السياسة العامة للدولة إضافة إلى عدم تمتع غليون بأي صفة سياسية اعتبارية مخولة شعبياً لإقرار شيء من هذا القيبل، إلا أن ذلك يتفق منطقياً مع مصلحة سوريا وشعبها في مستقبلهم القريب. فكيف يمكن لقاتل أن يساهم في بناء مستقبل ضحيته؟ وهل تبرر “الممانعة و دعم المقاومة” قتلي بأي حال من الأحوال؟ ثم إن كيف لقاتلي أن يقنعني بأنه يحارب عدوي من خلال ذبحي؟

يتضح تماماً من خلال ما تشهده الساحة العربية مؤخراً أن زمن الأصنام قد ولى إلى غير رجعة. وأن الحليف الذي كان يتحكم بأمر البلاد أكثر من حاكمها المستبد لن يكون له في المستقبل إلا ما يضمن العائد المجزي للمالك الحقيقي للثروة؛ الشعب. فابتداءً بتونس، توازت الثورة على نظام ابن علي بغضب عارم على فرنسا واتهام شعبي لها بدعم النظام ومحاربة الثورة مما أدى إلى إحراجها دولياً في سابقة هي الأولى تضغط فيها دولة إفريقية تقع على الساحل الجنوبي للمتوسط على دولة أوربية من وزن فرنسا التي كانت ومن المحتمل أن تستمر كأهم الدول الغربية في ميزان التعاون والتبادل الاقتصادي مع بلدان المغرب العربي. أضف إلى ذلك الاتهامات العديدة التي وجهها الشارع المصري للبيت الأبيض الذي وجد نفسه في موقف لا يقل إحراجاً عن موقف فرنسا إزاء الثورة التونسية، ما اضطر البيت الأبيض في نهاية المطاف إلى دعوة مبارك إلى التنحي عن السلطة فوراً بالرغم من كل الخدمات التي كان مبارك يقدمها للغرب ابتداءً بحماية حدود إسرائيل وليس انتهاءً بتحويل مصر من لاعب أساسي على الساحة السياسية في الشرق الأوسط إلى مجرد بلد يقع على هامش التاريخ. كما لا يخفى على عاقل ومتابع الاتهامات التي ما فتئ الثوار الليبيون يكيلونها صبح مساء إلى قيادات الناتو -التي استنجدوا هم بها بالأصل- فيما يتعلق برغبة الأخير في إطالة أمد المواجهة العسكرية وعدم الجدية في الإطاحة بنظام القذافي والذهاب أبعد من ذلك إلى حد اتهام الغرب بِنية رفع فاتورة الحرب لضمان استثمارات ومكاسب أكبر في ليبيا المستقبل.

ولا شك أن أعظم وأجرأ المواقف التي اتخذت تجاه الحلفاء في إطار الربيع العربي كانت تلك التي اتخذها الثوار السوريون الذين قضوا عمرهم في دعم الحركات المقاومة واستضافة ضحايا الإرهاب الإسرائيلي المهجرين من لبنان وفلسطين. فقد أدركوا أن الرصاصة التي يقتطع ثمنها من خبزهم لن تطلق يوماً على عدوهم، وأثبتوا أنهم خير من يعلم معنى المقاومة وأعلنوها صراحةً أن لا حصانة للممانعين من أعداء أمريكا وإسرائيل إن قرر أولئك “الممانعون” محاربة المطالبين بالحرية قبل محاربة عدوهم الكلاسيكي، فكيف تستقيم مقاومة العدو بقتل الشارع المقاوم؟

أقلّب كثيراً بعد كل ذلك في تاريخ تونس ابن علي، وليبيا القذافي، ومصر مبارك، ويمن صالح، وسوريا الأسد، بحثاً عن مرة يتيمة تجرأ فيها ابن علي أن يقول “لا” لفرنسا، أو عن “لا” قذافية لإيطاليا، أو “لا” أشهرها مبارك أو صالح في وجه أمريكا، وحتماً لم أجد أي “لا” أسدية في وجه روسيا أو إيران حينما تعارضت مصالح أولئك الحلفاء (أو المستعمرون الجدد إن صح التعبير) مع مصالح الشعوب.

إن الثوار العرب اليوم لا يكتفون بالانتفاض على مستبديهم، ولا يتوقفون عند إعادة تعريف أحلافهم بما يخدم مصالحهم، بل يذهبون أبعد من ذلك ليرسموا بأيديهم مستقبلهم الذي يرضون ، فنراهم يضبطون إيقاع الحراك السياسي المرافق لحراكهم في الشارع، مصممين في مصر على المضي قدماً حتى نهاية الطريق على الرغم من كل المكاسب التي تحققت بالفعل. كما ما زالت شوارع وساحات اليمن تكتظ بملايين الثوار المطالبين بمحاكمة صالح ورفض الحصانة التي منحته إياها المبادرة الخليجية التي نجحت إلى حد ما بنتحيته عن منصبه في رئاسة الجمهورية. وفي سوريا يتابع الثوار عن كثب تصريحات وفعاليات التيارات السياسية عامة والمجلس الوطني (الممثل لأغلب أطياف المعارضة) خاصة للحفاظ على توجيه بوصلتهم بما يتوافق مع اتجاه ونبض والشارع، غير متوانين عن النيل بشدة من كل من يحيد عن مطالب الثائرين. ولعل أطرف ما رأينا في هذا السياق المظاهرة التي رفع فيها “الحماصنة” البطاقات الصفراء لبرهان غليون بعد ما ثار من ضجيج إعلامي حول الوثيقة التي وقعها الأخير مع هيئة التنسيق، في إشارة إلى استنفاذ غليون فرصة ثمينة قد يكلف تكرار مثيلها تلقيه بطاقة حمراء يخرج بموجبها من المشهد السياسي المعارض الحائز على دعم الشارع.

إن السطور التي يخطها الثوار العرب اليوم في تاريخنا تضعنا بلا شك على باب مرحلة جديدة ينصب فيها الشعب نفسه مجدداً سيداً لنفسه ومقرراً لمصيره، الأمر الذي سيفرض واقعاً جديداً في لعبة السياسة الدولية، في منطقة لا يسع العالم أن يتجاهل أهميتها، والتي تشارك فيها الشعوب العربية من الآن فصاعداً كمحدد وحيد لتحالفاتها التي تخدم مصالحها أولاً  لتكون شعوب المنطقة عامةً ودول جوار فلسطين في سوريا ومصر خاصةً لاعباً أساسياً في رسم مستقبل المنطقة بالصورة التي نريدها جميعاً وفيها فلسطين جزءٌ أصيلٌ على خارطة شرق المتوسط.

نعم أقولها وكلي ثقة بأن فلسطين تقترب أكثر فأكثر كلما أسقطت الشعوب الحرة تلك “المقاومة” الضالة.

فانظر معي تاريخ “مقاومتنا الباسلة” التي ربّتنا على أن نرى مكاسبها الضئيلة (في ظل التخاذل العربي الرسمي) على أنها انتصارات تاريخية ليس لشيءٍ إلا لأننا، وببساطة، نعرف سقفها.

سأكتفي بالبدء عند حقبة “القائد التاريخي” جمال عبد الناصر الذي طالما نادى بـ “إزالة آثار العدوان”. ولعل أهون المصائب التي جلبها علينا عبد الناصر كانت عجزه هو عن تحقيق مناه. في حين أن الطامة الكبرى كانت أن الكاريزما التي تمتع بها عبد الناصر حولت الشعوب العربية إلى جموع تائهة لا تعلم من أهدافها إلا ما حدده ” القائد الملهم”. فكان أن قيد ذلك المصطلح نضال الأمة عبر العقود الماضية بقيد استرجاع الأراضي المحتلة عام 1967 وكأن ما حدث عام 1948 لم يكن عدواناً يجب إزالة آثاره. ذلك ناهيك عن دور عبد الناصر في إفساد الوحدة العربية بين سوريا ومصر التي طال سوريا أثناءها ما طالها من ظلم الأشقاء الوحدويين.

وعلى التوازي مع كل ذلك غسل حكام العرب أيديهم من القضية الفلسطينية (القضية العربية المركزية) ودفعوا باتجاه إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 بدعوى الحاجة إلى ممثل شرعي للفلسطينيين يدعمه كل العرب ويتولى هو النضال السياسي والعسكري في سبيل استرجاع فلسطين. وبالفعل مضت منظمة التحرير في هذا المنحى لبضع سنين قبل أن تجد نفسها وحيدة في الساحة بلا دعم يذكر إلا باتجاه التطبيع مع العدو فذهبت إلى “إدراك ما يمكن إدراكه” من خلال مفاوضات سرية مع العدو بدأت في أوسلو عام 1991 وانتهت بتوقيع اتفاق السلام في واشنطن عام 1993 والذي اعترفت بموجبه “المقاومة” بالمحتل كسلطة شرعية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وقيدت نفسها بقيود عبد الناصر واكتفت بالتطلع إلى “إزالة آثار عدوان الـ 1967” .

وها هي الثورة السورية المباركة تأتي اليوم لتُسقط آخر أوراق التوت عن أحدث صور “المقاومة” وتكشف عورات “المقاومين”، فركائز “قلعة الصمود والتصدي” (وفي رواية جبهة الصمود والتحدي)  تنهار على أول خطوط الجبهة. والنظام “الممانع” يُعمل آلته العسكرية لأول مرة بعد ثلاثة استخدامات فاشلة كان آخرها منذ 38 عاماً. لكن “حماة الديار” يتجهون اليوم داخلاً. يقتلون، بمساعدة إخوتهم من “شبيحة الديار” أكثر من 2000 من شعبهم ويعتقلون عشرات الآلاف ويهجرون أمثالهم إلى مخيمات لجوء في تركيا ولبنان. فعساهم اليوم يحققون نصراً يتيماً، حتى وإن كان متأخراً.

وليس بعيداً عن ذلك نجد “المقاومة الإسلامية في لبنان” (لا أنكر بطبيعة الحال إنجازها في تموز 2006) تتنكر للشعب السوري الذي يقتل يومياً على يد “حليفها” الذي تصر على دعمه بينما تخوّن الشعب المنتفض لإسقاطه وهي التي لطالما كانت تقول أن عمقها العربي إنما هو الشعوب العربية وليس الأنظمة. ويخرج علينا “سماحة السيد” ويقول لنا بكل سذاجة “طيب… مين؟؟؟ وينو الشعب السوري؟؟؟ خلونا نعرف… لنوقف معه”. فهل عمي منك البصر يا “سيد حسن” فلم تعد ترَ الحشود التي تخرج كل يوم إلى الشوراع أم عميت منك البصيرة فتــاهَ تدبيرُك ولم تعد تعلم عند من تكمن مصلحتك الحقيقية؟

ولا شك هنا أن “حزب الله” هو الخاسر الأكبر بغض النظر عن مآل الثورة وصورة انتهائها في سوريا، فهو قد خسر من الآن شيئاً عظيماً من العمق الشعبي الذي كان يراهن عليه.

أما حركات “المقاومة الفلسطينية” فيبدو أنها اعتبرت عدم رضوخها لضغوط النظام للانضمام صراحة إلى صفه في مواجهة شعبه (كما فعل “حزب الله”) بمثابة الوقفة البطولية. ونسوا أن ذلك ليس إلا أقل ما يجب فعله. أين منظمة التحرير الفلسطينية؟ أين حركة المقاومة الإسلامية (حماس)؟ أين الجبهة الشعبية –القيادة العامة؟ أين الجبهة الديمقراطية؟ أين الجهاد الإسلامي؟ أين أنتم ما من نصبتم أنفسكم آلهة للدفاع عن شعبكم؟ أين أنتم مما يحدث في مخيم الرمل في اللاذقية؟ وأشنع من ذلك الغياب هو التشبيح الذي مارسته (حماس) في غزة يوم السادس عشر من آب (أغسطس) حين فرق عناصر من “أمن حماس” بالقوة مظاهرة تنادى لها بعض شرائح الشباب الفلسطيني لنصرة الشعب السوري على غرار ما حصل في القدس ورام الله وحتى في الناصرة وحيفا وعاثوا في الجموع اعتقالاً.

أحارُ فعلاً في فهم التركيبة الفكرية والنفسية لـ “مقاومتنا”. من أين لكم “صكوك المقاومة” تلك التي توزعونها على من يستحقها بنظركم (أو من يواليكم بنظري)؟ لا أستطيع حقاً أن أفهم من طريقة معالجتكم لواقعنا إلا أنكم تؤمنون إيماناً راسخاً بأنكم المصطَفَيْن الأخيار المفوضون بأمر هذه الأمة وأن ما سواكم ما هم إلا سُذّجٌ أو خونةٌ أو عملاء.

وإني حين أرفض هذا النوع من “المقاومة” لا أدعو بالطبع إلى نبذ فكر المقاومة ولا أنادي بتحول الشعوب العربية إلى نسخ من الأنظمة الفاسدة على الطريقة الأخرى ممن يأخذون خططهم التنموية وصورة مواقفهم الدولية وجداول مناطق التدخل المتاحة والأخرى المحظورة من السفارات الأجنبية القابعة على أراضيها. ولكنني أرى أن ربيعنا العربي لا يجب أن يقف عند مرحلة قلب النظم المستبدة فحسب، بل يجب أن يتعدى ذلك إلى الثورة على “المقاومة” المستبدة أيضاً. فآخر ما نحتاج إليه اليوم هو “مقاومة” تُنَصّبُ نفسها وصية على أحلامنا ونوايانا وتطلعاتنا. نريد لربيعنا العربي أن يُفرِزَ مقاومة حقيقية لا ترتبط إلا بإرادة شعوبها ولا يحدد أهدافها إلا آمال شبابها ولا تكون أدواتها إلا إراداتنا الصلبة وعزيمتنا التي ما زالت تقربنا من فلسطين يوماً بعد آخر.

وكل ثورة وأنتم إلى فلسطين أقرب

ملاحظة: عزيزي القارئ قد تختلف معي في تناولي لنماذج المقاومة أعلاه من حيث ظروف وإنجازات وارتباطات كل منها وبالطبع في تقييم نجاحات بعضها، ولكني كلي أمل أنك تتفق معي بأن كل فئات المقاومة التي ذكرتها في نصي اتفقت في قرارة نفس كل منها على أنها المخولة الوحيدة بالمقاومة وعاملت كل من لا يتفق معها بالإقصاء دائماً وبالتخوين أحياناً. بمعنى آخر، إن حركات المقاومة في عالمنا العربي لم تسلم من داء تأليه الذات والشمولية الذي يثور عليه شبابنا اليوم، ومن هنا فإن علينا أن ننقل لتلك الحركات ذات الرسالة التي نوجهها إلى الأنظمة المستبدة.

أكثر من أربعة أشهر تفصلنا عن بداية الثورة في سورية ومازالت آلاف الأميال الوجدانية (المُحرّكة) تفصل حلب عن باقي المحافظات؛ كل المحافظات. خمسة أشهر تكاد تكتمل من عمر الثورة في سوريا دون أن تدغدغ الغيرة ضمير الحلبيين -بالشكل الدافع الكافي- فيهبوا كإخوانهم علهم يقطفون من ثمر الحرية. ومن البديهي أنه ليس لحلب شيء من مقومات مخالفة شقيقاتها من المحافظات، فلا هي غريبة عن أسباب الثورة من ممارسات قمعية وإذلال وامتهان للكرامات وفساد مستشرٍ دام عقوداً، ولا هي –بطبيعة الحال- الـ’أديسونية’ الذكاء الوحيدة التي اكتشفت “المؤامرة”. ولا شك في نفس الوقت أن أسباباً أخرى وراء ذلك التأخر ولعل أهمها “تشبيح ذوي القربى”.

لن أخوض هنا في مناقشة أسباب إقصاء حلب ذاتها أو إقصاء أحد ما لحلب والأساليب المتبعة في كل ذلك، فما عاد المقام اليوم مناسباً للتحليلات و لتبادل وجهات النظر و “احترام الرأي الآخر” وما إلى ذلك من (تبويس الشوارب). المسألة اليوم هي إما أن تكون إنساناً أو أن تكون وحشاً. فإن كنت وحشاً فاعلم بأن الغلبة على هذه البسيطة لم ولن تكون يوماً إلا للإنسان بما حباه الله من صفات اجتماعية وفكرية وثقافية طالما استخدمها في تطويع كل ما على هذه الأرض لمصلحته. أما إن كنت إنساناً فهب إلى نصرة إخوانك الذين يموتون كل يومٍ على كامل رقعة سورية ليضيؤوا لك الطريق ولأبنائك من بعدك. انتفض على مستوىً يليق بتضحيات إخوانك. انتفض لألا يضيع دمهم هباءً فتكون أنت الخاسر الأكبر وتخسر كل شيء. فهم الآن في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أما أنت فما زلت هنا تقرأ هذي السطور ولا خيار عندك إلا أن تجنح لمستقبل أفضل.

لا شك أن دعاية النظام عن السيطرة على كبرى المدن (دمشق وحلب) يعوزها، كغيرها من الروايات الرسمية، الكثير من الدقة والمصداقية. فهو لا يفتأ يحاول تصوير الانتفاضة على أنها محدودة في الأرياف والمدن الصغيرة ولا تعدو كونها “أزمة” و”خلصت”. في حين أنا قد شهدنا مبكراً مظاهرات حاشدة في أحياء دمشقية كالميدان وبرزة وغيرها، ناهيك عن ريف دمشق الملتصق تمام الالتصاق بدمشق. أما عند مركز المدينة فقد اتخذ الحراك أشكالاً إبداعية أخرى لكسر حاجز الخوف من خلال الاتفاق على التواجد في مكان معين (دون الالتقاء) بهيئة محددة كانت كفيلة كل مرة باستفزاز المنظومة الأمنية المتخلفة عقلياً حتى انتهى الأمر باعتقال أشخاص في وسط دمشق لمجرد أنهم يرتدون قمصاناً بيضاء. وقد ساهم هذا كله في رسم سقف جديد للحريات في قلب العاصمة دمشق حتى بدأنا نرى أحياءً كأبو رمانة والمزة وغيرها تنضم إلى ركب المظاهرات وتنادي بإسقاط النظام على مقربة من مكتب الرئيس نفسه. أما في حلب، فقد اقتصر التحرك على مظاهرات تقليدية محدودة من حين لآخر كانت دائماً كفيلة بقضّ مضجع النظام الذي راهن على سبات حلب من خلال رشىً حكومية رسمية وأخرى من تحت الطاولة متمثلة بإطلاق يد عدد من تجار المخدرات والسلاح في مناطق نفوذ محددة. ولعل ذلك يفسر قصور النشاط الحلبي المباشر. ولكن لماذا لم نر الإبداعيات التي رأيناها في دمشق؟

قد يقول البعض أن الوضع مختلف الآن في رمضان، حيث بدأنا نشهد مظاهرات بأعداد كبيرة تنطلق في وسط حلب. نعم… ولكن ما هكذا نريد حلب. فانضمام حلب وبقوة إلى الثورة هو الضامن الوحيد لنجاحها وإلا فإن حلب ستكون مقبرة الثورة و سبب تسويد صفحتها على مر التاريخ. أقول هذا، وبثقة، بعد ما سمعنا ورأينا من ردة فعل العشائر وخاصة عشيرة البقارة التي خرج بعض أفرادها (في مواقف فردية ولكن مقلقة) بموقف لا وطني و مشين يهددون فيه الدولة بـ”الرد القاسي” غير مستبعدين لحمل السلاح رداً على اعتقال شيخ مشايخهم السيد نواف البشير. وللعلم فإن السيد نواف البشير هو أحد أعضاء (إعلان دمشق) وأعتقد جازماً أنه لا يوافق على بياناتٍ تهدد السلم الأهلي كتلك.

سلمية الثورة أمر مقدس وهي السلاح الأمضى بمواجهة آلة القمع الوحشية التي يستخدمها النظام، وليس التصعيد البربري الأخير إلا محاولة أخيرة من قبل النظام لجر الناس إلى حمل السلاح ليبرر هو بدوره استخدام مزيد ومزيد من البطش يومياً. إن كل ساعة تمر من أيامنا هذه مع التزام الثوار بعدم حمل السلاح تكبد النظام خسائر فادحة على المستوى العسكري والاقتصادي والشعبي الداخلي والدبلوماسي الخارجي فلا نريد أن نرى اليوم من يرفع سلاحاً ليجهض الفجر المنتظر في سورية قبل ولادته بأيام. وعلى هذا فإن دور حلب اليوم أن تخرج بعشرات الآلاف كما أخواتها فتقطع بذلك الطريق على أي تحرك مسلح قد ينفجر هنا أو هناك من قبل بعض المنفعلين أو الغاضبين أو حتى الممولين من قبل النظام، فمن يدري… قد يزج النظام بعصابات مسلحة حقيقية في الشوارع ليجد من يقاتله فعلاً بعد كل تلك المحاولات الفاشلة.

أهلنا عشائر حلب، لنا عتب عليكم (والعتب على قدر المحبة). أما وجدتم في كل ما حصل في سورية سبباً لثورتكم حتى اعتقل أخونا نواف البشير؟ ألم يؤلمكم كل الظلم والقتل التي أصبح خبز سورية اليومي في الأشهر الأخيرة؟ هل اعتقال شيخكم الغالي علينا جميعاً ككل السوريين الآخرين أغلى عندكم من أنهار الدماء التي روّت أرض سورية الحبيبة؟ أوَبعد كل هذا يخرج بعضكم ليهدد بحمل السلاح وإجهاض ثورة إخوانكم؟

أهلنا الصامتين في حلب، بنا قلق علينا وعليكم (والقلق أيضاً على قدر المحبة). إن بقاءكم خلف الركب قد يؤخر مسيرة الثورة قليلاً إذا بقيت المسار على ما هو عليه، ولكنكم ستكونون أول وأكثر المتضررين إذا طرأ شيء من قبيل حمل السلاح، فعندها ستكونون أنتم في الواجهة وإلى شوراعكم ستدخل الدبابات وعنكم سيقطع التيار الكهربائي والماء، وحينها لن يفيدكم كثيراً نداء المحافظات الأخرى بـ “يا حلــــــب حنا معاكي للموت”.

آن لكم تبادروا لتحقنوا دماءكم ودماء إخوانكم… آن لكم تدخلوا في السياق.

طائفتي سوري، لماذا؟

تكاد تكون تلك العبارة أكثر ما يستفرني منذ بدايات الأحداث في سورية وخاصة بعد أن أصبح البعض يستخدمها كصورة لبروفايله على الفيس بوك أو عند التسلح بها لإنهاء نقاش ما بعد أن يصل، بحسب المتحاوين، إلى طريق مسدود.

ماذا يضير أن تكون كاثوليكياً، علوياً، أرثوذوكسياً، سنياً، شيعياً أو حتى لا دينياً سورياً؟

لا أشك أن من يستخدم هذه العبارة إنما يستخدمها بدافع من حسن نية، لدفع أي إيحاء بانتماء طائفي. ولكن ما المشكلة في انتمائك لطائفتك وانتمائك لسورية في آن معاً؟ لماذا يُصر البعض على إلغاء تنوعنا؟ هل أصبحنا عاجزين عن قبول الانتماء الطائفي إلى هذا الحد، ونحن المتنوعون منذ الأزل.

ربما يقول أحدهم أنما دفعه إلى ذلك هو استخدام البعض للانتماء الطائفي بطريقة تُلغي أوتُضعف الانتماء إلى سورية. حسنٌ، هل الحل إذن أن نستسلم بهذه السهولة؟ هل نسمح لفرقة شاذة أن تسرق جزءاً من هوياتنا بكل بساطة؟ هل نسمح لهم باستخدامنا أو أن ننساق وراءهم لننكر ذاتنا؟ لا يا إخوتي، ما هكذا يكون الرد.

إن تلك الفرقة الشاذة -التي تسعى لنشر الرعب من “المستقبل المجهول” بين صفوف من هم بعرفها “أقليات”- هي الأقلية الحقيقية وهي الأقلية الوحيدة بالمعنى السلبي لكلمة “أقلية”.

أجزم أنني لست بحاجة إلى سرد الأمثلة الكثيرة الكثيرة من حياة سورية الاجتماعية عبر التاريخ والتي تدحض أي احتمال لوقوع سورية في فخ ذلك “المستقبل الطائفي الأسود”، فكلكم يعلم أكثر مني في هذا الخصوص. أما أنا فسأركز هنا على الواقع الذي نعيشه الآن فلعله يكون أكثر ارتباطاً بحالاتنا العاطفية والنفسية التي نعانيها في سورية اليوم.

ليس سراً أن بعض إخواننا المسيحيين الكرام يخافون من مستقبل تحكم سورية فيه دولة إسلامية متطرفة تطردهم “ع بيروت”، وهو الأمر نفسه الذي ترفضه الأغلبية الساحقة من مسلمي سورية الذين لن يقبلوا أن ينتقلوا بعد كل هذا النضال ضد ظلمات الاستبداد إلى ظلمات أشد حلكة. وليس سراً أيضاً أن بعض إخواننا العلويين المحترمين يخافون من قيام دولة “تشرد بهم من خلفهم”، ذلك بالإضافة إلى مخاوف أخرى مشابهة لدى شرائح متعددة من المجتمع، وقد لمسنا هذا في بعض الشعارات التي انحصر ذكرها على نقاشات الانترنت وفي المجالس العائلية وجلسات الأصدقاء نقلاً عن مظاهرات مزعومة. غير أن كل من سمعتهم يتناقلون رواية تلك الشعارات لم يستطيعوا الإقرار بأنهم سمعوها بأنفسهم خلال المظاهرات ولم يقدروا أن يثبتوا ذلك من خلال أي تسجيل صوتي أو مقطع فيديو موثوق حتى الآن، أي بعد ما يزيد على أربعة أشهر من انطلاق الاحتجاجات. ولم يعد مقبولاً على أيه حال تقديم أي شيء من هذا القبيل الآن بعد أن مُجّت تلك العبارات وغدت للكثيرين خرافة من خرافات الأولين. ثم إنه لو افترضنا أن ذلك حدث فعلاً، فضعف الرواية ومحدودية التكرار جديرٌ بإسقاط تلك الشعارات المعدومة الوزن. في المقابل نرى كل أسبوع عشرات الفيديوهات التي تصور اللافتات الداعية لوحدة السوريين والشعارت الرائعة التي تؤكد اصطفاف الجميع في خندق واحد.

أنا لا أطلب، بطبيعة الحال، من أحد أن يصطف إلى جانب الموالاة أو المعارضة، ولكنني أرجو من الذين يتخوفون مما سبق أن يمعنوا النظر في كافة أشكال الحراك القائم اليوم في سوريا؛ في حراك الشارع المعارض، في الحراك السياسي المعارض بمختلف أطيافه، في الحراك الموالي، وفي الحراك السياسي الموالي. هل بإمكانك أن تحصر أي شكل من أشكال الحراك تلك في طائفة واحدة؟ ألا ترتكز المعارضة السياسية في أهم تجمعاتها على مسيحيين وعلويين؟ وفي الوقت نفسه، ألا يشكل كثير من أبناء الطائفية السنية أهم دعائم النظام؟ ثم ألم تقرأ بعد شيئاً من مشاركات الكثير من الشباب المسيحي على الشبكات الاجتماعية ومساهماتهم في دعم حراك الشارع وتبريئه من التهم الطائفية البغيضة؟ أعجبُ من أين تسرب هذا الداء إلى السوريين.

أخي يا من تحسب نفسك أقلية، كاتب هذه السطور أخ لك فلسطيني لاجئ في سورية. أقلية في منطق الأقليات. ولعلي أملك أسباباً تجعل خوفي أكثر منطقيةً من خوفك. فأنا الذي تطرأ لذكري أحد رموز المعارضة حين قال أن الفلسطينيين يشغلون خمسين ألف وظيفة حكومية السوريون أولى بها منهم. ولا أخفيك أن تلك اللهجة جعلت الكثير من الفلسطينيين يتخوفون مثلك من المستقبل. ولكنني أثق بسورية. أثق بالسوريين. أثق بك. ومن ها هنا أقول لكم جميعاً ثقوا بشعبكم. ثقوا بالسوريين الذين لم يخذلوكم يوماً. لا ترتكبوا في سورية الخطأ الجسيم الذي ارتكبه كثير من الفلسطينيين الذين سمحوا لمختلف الفصائل بتقاسمهم من خلال العطايا المتمثلة بتأمين المسكن والمنح الدراسية والتمويل الخاص وما إلى ذلك من أشكال ’شراء الولاء‘، فبات أحدهم يشعر بالامتنان العميق للفصيل الذي “أمّن له مستقبله” إلى حدّ لم يعد يَسَعه عندها إلا أن يوافق على كل سياسات ذلك الفصيل حتى وإن تعارضت مع مصلحة الفلسطينيين العامة أو مع مصلحته هو شخصياً.

ثم انظر معي إلى حيك، إلى مدينتك، أينما كنت في سورية. ألا ترى أن تخوفك غير قائم على قاعدة صلبة؟ فهل يُحجِم أحد عن التسوق في مركز تجاري إذا كان صاحب المركز من طائفة مختلفة؟ وهل يستغني الطالب ابن المدينة عن أخذ دروس خصوصية عند مدرس متمكن لإنه قروي الأصول؟ وهل يمتنع كل السوريين عن التداوي لدى طبيب ماهر إذا كان لاجئاً فلسطينياً؟ وهل وهل وهل؟ فأي تخوف طائفي هذا الذي أنت تحسب له كل تلك الحسابات؟ ألا تر أن النسيج الاجتماعي متشابك لدرجةٍ لا تتيح انسحاب أيٍ من مكوناته؟

إخوتي، ليس لأحد فضل عليكم. إن كل ما تتمتعون به من موارد إنما هو ملككم أنتم، و لا يجب أن يشارككم به إلا إخوانكم وأخواتكم السوريين فقط. لا الحكومة شريكة في ذلك، لا الحزب شريك في ذلك، لا مجلس الشعب شريك في لك، ولا أحد غيركم أنتم. إنما وظيفة كل تلك الأجهزة أن تدير وأن تشرف على توزيع الثروة بينكم، لا أن تستغلها وتنهبها وتحرمكم أنتم وإخوانكم منها تحت عنوان المساواة. فالمساواة لا تكون إلى بعموم العطاء، لا بعموم الحجب والحرمان.

ليس لأحد فضل عليكم فأنتم أقدم على هذه البقعة المباركة من كل الأحزاب وكل النظم وكل السياسات، ولن يضيركم إلا أن تستسلموا لفكر مَرَضيّ يسعى البعض إلى غرسه لديكم ليكبح جماحكم ويزرع الخوف في نفوسكم ويفصلكم عن باقي مكونات مجتمعكم المتجانسة.

سأقدر موقفكم مهما كان، إن اتخذتموه بعد أخذ النقاط السابقة بالاعتبار، وسأدافع عنه مع باقي إخوتي حتى وإن خالف موقفي وسأستمر بحواركم  ونقاشكم لنحافظ على قاعدة مشتركة نبني عليها مستقبلنا معاً. ولكنها ستبقى حرقة في قلبي إن لم يكن وراء موقفكم إلا الخوف والخوف فقط.

في سورية، لم ولن يكون انتماؤك لطائفة ذات أقلية عددية سبباً لنبذك في مجتمع كان والداك ومن قبلهما جداك لبنة أساسية في تكونه. في سورية، الطائفة المنبوذة الوحيدة يجب أن تكون تلك الفرقة الشاذة التي تحاول صبغ الأقلية بصبغةٍ سلبيةٍ لترويج دعاية الخلاف الطائفي. ومالحل ها هنا إلا أن يضع أولئك الخائفون من المستقبل يدهم بيد أشقائهم السوريين؛ السوريين الاعتياديين الذين نصادفهم في كل شارع وكل جامعة وعند كل مسجد وكل كنيسة، ويبرهنوا للجميع صلابة تكوين مجتمعهم الذي ما فتئ عصياً على كل محاولات تفكيكه.

في سورية نحن بانتظار ولادة أقليةٍ سياسيةٍ معارضةٍ تغني الحياة السياسية وتنضم إلى كافة الأقليات الأخرى التي لطالما كانت مميزاً هاماً لكافة التجمعات الإنسانية ومكوناً رئيساً لا يستقيم المجتمع إلا بها.

في سورية، ثِقوا بالشعب… يا قرّاء مدونتي

نصرة الشعب الليبي بدمشق، فاعتقال. اقتلاع أظافر الأطفال في درعا. احتجاجات. قتل. مظاهرات في مدن سورية عدة. يستمر القتل. انتشار الجيش. يزداد القتل. معارضة تتشكل في الخارج. لاجئون سوريون يتصدرون عناوين الأخبار وصفحات الصحف الأولى. النظام يدعو للحوار. قرارات جديدة. تطبيق وممارسات قديمة.

ثم تلتئم معارضة سورية في الداخل علناً بتاريخ 27 حزيران (يونيو) 2011 في أول تحرك من نوعه منذ عشرات السنين، فيتعقد المشهد السوري ويستعصي على فهم الكثيرين. لا المراقبون الخارجيون، لا الموالاة، لا المعارضة، لا التنسيقيات ولا الشارع، بات واضحاً أن كل أولئك عاجزون عن استيعاب المشهد كاملاً. تخبط الجميع يكاد يكون عنوان المرحلة.

تحاول السلطات استغلال المؤتمر لأسباب دعائية، فلا تمنع انعقاده في محاولة لإظهار مرونة النظام مع التحركات المعارضة. إلا أن هذه المحاولة سرعان ما باءت بالفشل بعد تسريب وفضح ممارسات التشبيح التي مورست ضد المؤتمرين وبعد تأكيد المؤتمرين عدم ارتباط مؤتمرهم بدعوات النظام للحوار الذي لا تتوفر أرضيته بحسب المعارضين.

فريق في الشارع الموالي اعتبر أن عقد مؤتمر من هذا النوع سيكون مدخلاً لـ “بيع سوريا” ودعوة لتدخل خارجي وكل ما قد يخطر ببال القارئ من أفعال خيانية ترتكب بحق الوطن. فريق موالٍ آخر أكثر اعتدالاً رأى في المؤتمر محاولة ماكرة لشد الأنظار بعيداً عما يرونه “تخريباً وتقويضاً للأمن” خلال المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام. فحسب أولئك، مؤتمر كهذا ليس إلا تغييراً تكتيكياً ينسجم مع أهداف “المؤامرة الكونية المحاكة ضد سوريا” والتي ترمي إلى إسقاط النظام. وكلي إيمان بأن فريقاً موالياً آخراً رأى في المؤتمر بارقة أمل نحو فجر ديموقراطي جديد.

أما أن يهاجم معارضون مؤتمر المعارضة!!! فتلك لا شك كانت مفاجأة للوهلة الأولى.

لن أطيل كثيراً في شرح نقاط الخلاف التي يعرفها جميعكم والتي تتلخص في أن البعض رأى أن المؤتمرين من خلال حوارهم ذاك قد سقطوا في فخ النظام الذي لا يريد برأيهم من وراء دعوات الحوار إلا أن يلتف على الانتفاضة الشعبية ويسنح الفرصة أمام المؤتمر ليستغلها إعلامياً ويتصدى من خلالها لمطالب الجمهور بعد تقنينها في قنوات ضيقة يسهل عليه التعامل معها. ولكن ما فات على أصحاب هذا الموقف أن المؤتمرين لم يحاوروا النظام وإنما كانت خطوتهم تلك مشاورات داخلية تهدف إلى تكوين رؤية مشتركة ومتوافقة للمرحلة الراهنة. ولأشد ما يحز في قلبي أن بعض المعارضين ذهب إلى تخوين المشاركين في المؤتمر واتهامهم بخيانة دم الشهداء. ولعل هذا الصدود ما نشأ إلا لكثرة ما مجّ الناطقون باسم السلطة كلمة حوار، حوار، حوار دونما شيء ملموس على الأرض حتى فقدت معناها و سئمها كل من يسمعها وشكك بفحواها أشد المؤمنين بها.

وبعد كل ذلك يأتي الموقف الأكثر اتزاناً، برأيي، من قاعة المؤتمر بفندق سمير أميس حيث وضع المشاركون أنفسهم في إطار الداعم والرافد لحراك الشارع الذي اعتبروه المحرك الرئيس لآلة التغيير. هم لم يقولوا أنهم يعبرون عن الشارع ولم يدّعوا أنهم ممثلون لجميع أطياف المعارضة، بل على العكس، أكّدوا على دور الجميع واستعدادهم للتعاون مع أي مبادرة وطنية، واعترفوا قبل كل ذلك بامتنناهم للحركة الشعبية ولدماء الشهداء التي لم يكن لهم أن يعقدوا مؤتمرهم ذاك لولاها. وفي عهد عقدوه على أنفسهم في ختام المؤتمر تعهّدوا بأن يبقوا جزءاً من انتفاضة الشعب السورية السلمية في سبيل الحرية والديمقراطية والتعددية ورفضهم للخيار الأمني لحل الأزمة.

وبين هذا وذاك تضطرب الصورة… تتشوش الأفكار… شعور بعدم الأمان يسود لبرهة… ثم نعلم أن سوريا تذهب بالاتجاه الصحيح. هل كان لأحد أن يصدق أن الأحداث ستتسارع بهذه الشدة في سوريا التي بقيت لأكثر من أربعين عاماً صامتة وساكنة كصفحة بحيرة في يوم ربيعي هادئ؟ في ظرف سوريا الحالي، من الطبيعي أن يتشكك المرء في أي تحرك حتى ولو كان في الاتجاه الصحيح بعد كل تلك السنوات من الجمود. فلعله كان من ضروب الجنون أن تسمع أحدهم يتكلم قبل أشهر عن حراك سياسي معارض في سوريا. حتى المتظاهرون الذين لاموا المثقفين لعدم مبادرتهم لأخذ دورهم في الانتفاضة، لم يصدقوا حقيقة أن حراكاً سياسياً معارضاً حقيقياً قد بدأ رغم أنهن كانوا بانتظار تحرك مماثل، فانتابهم شك تبدد عند بعضهم بعد إعلان البيان الختامي للمؤتمر في حين لا زالت بعض المخاوف المبررة تؤرق البعض حتى اليوم، إلا أن الوقت كفيل بفرز تيار سياسي جدير بثقة أصحاب المطالب وقادر على بلورة رؤيتهم وترجمة طموحاتهم على طريق تحقيق الدولة المدنية التي لا يقودها أفراد وإنما يقودها القانون والقانون فقط.

ربما أكون مفرطاً في التفاؤل، ولكنني أعلم أن لدي من إيماني بسوريا والسوريين ما يدعم تفاؤلي ذاك ويسلط الضوء على مؤشرات لا توحي لي إلا أن غداً مشرقاً متلهفاً لعناق سوريا ينتظر عند أول منحنى.

بدون مقدمات

إن كنت ترى في حفنة الشباب الذين خرجوا في دمشق أواخر شباط الماضي لينددوا بجرائم القذافي عُزّلاً إلا من شموعٍ بريئة، تهديداً للأمن والتعايش السلمي في سوريا… احترم عقلك.

إن كنت تعتقد أن من انهالوا ضرباً وشتماً واعتقالاً في صفوف أولئك الشباب والفتيات يساهمون في ترسيخ الأمن والتعايش السلمي في سوريا… احترم عقلك.

إن كنت من مصدقي نظرية المؤامرة التي تبناها الإعلام السوري معتمداً في ذلك على ما ورد في “موقع فيلكا الاستخباراتي الإسرائيلي” الذي يقتصر محتواه في معظمه على كشف خيوط المؤامرة المحاكة حول سوريا، ألم تلاحظ أن ذلك “الموقع” لا يعدو كونه مدونة مجانية على موقع “Blogspot”، وأن لغته الوحيدة هي العربية، وأنه يكثر أن تقرأ في ثناياه تراكيباً باللهجة الشامية؟ ألم تلاحظ كل ذلك؟ أم أنك تلقفت الأنباء وصدقتها دون أن يخطر لك أن تتصفح “الموقع” بنفسك؟؟؟ … احترم عقلك.

إن كنت من مصدقي روايات وئام وهاب وناصر قنديل حول الشيكات التي حُوّل بموجبها عشرات ملايين الدولارات من بندر وتركي وسعد إلى المتظاهرين السوريين فأنت حر. ولكن إن كنت قد تجاهلت رجوع وئام وهاب عن تصريحاته وكشفه لحقيقة أن صور الشيكات التي سربها له أمير بيضون كانت مزورة، واستمريت بعد ذلك كله في تسويق تلك الفانتازيا بعد انهيار دليل ثبوتها… فاحترم عقلك.

لك الحق في تأييد وتسويق بيان علماء سورية الناقد، بل والمحارب لبيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول سوريا. ولكن هل خطر لك أن تبحث عن نص البيان الأخير قبل اتهامه؟ أم قبلت أن يتم تجييشك ضد ما لا تعلم؟ احترم عقلك

هل سألت نفسك لماذا يُمنع ذوو الشهداء من طباعة كلمة (الشهيد) قبل اسم فقيدهم على نعوته؟ مع أن رأس السلطة أقر بأن أولئك شهداء؟ … احترم عقلك.

يا من تضع كل خبرتك الإعلامية في انتقاد وسائل الإعلام العربية والأجنبية “لعدم تحري الدقة وتلفيق الأكاذيب وتضخيم الأحداث”، وتزيد على ذلك فتعتصم أو تؤيد الاعتصام أمام مقرات وسائل الإعلام تلك. من الأجدر بك أن تُسَخّر مجهودك ذاك كله في انتقاد منع الإعلام المستقل من الدخول إلى مسرح الأحداث، إن لم يكن لشيء فليكون لنقدك اتجاه منطقي… أرجوك، احترم عقلك.

يا من أسرفت في نقدك اللاذع للمفكر العربي عزمي بشارة بعدما بثته قناة الجزيرة خطأً من حوار دار بينه وبين الظفيري (مقدم حلقة حديث الثورة) تحت الهواء، دون أن تعلم سياق الحديث، و دون أن تشاهد الحلقة كاملة، مفعماً بسوء النية، حاضراً لإسقاط كلمات متقاطعة على واقع خيانيّ قذر، لخدمة قالب مُعدّ مسبقاً لتعبئة “ما تبقى لديك من قدرة فكرية” لخدمة تيار يجرفك بعيداً عن الحقائق لتستمر حتى اليوم في ترديد كلمات مثل (بيضت صفحة المؤسسة) و(نريد الفيلا) وأمثال ذلك دون علم حقيقي بما قيلت من أجله تلك الكلمات… احترم عقلك.

أتحفتنا سيرياتيل منذ فترة بنبأ عن مدى تآمر قناة الجزيرة التي لم تقم بعرض ما يزيد عن تسعين بالمئة من رسائل المؤيدين للنظام على شاشاتها. كيف علمت سيرياتيل ذلك؟؟؟ هل أصبحت سيرياتيل فرعاً أمنياً مخولاً بمراقبة رسائلي النصية؟؟؟ فيا من تقتحم شبكات الهاتف المحمول خصوصيتك بشكل يومي وتراقب كل رسائلك القصيرة (علماً ان حالة الطوارئ قد رفعت وبالتالي فلا يحق لأحد ان يراقب أي هاتف إلا بمذكرة قضائية)… احترم نفسك، احترم خصوصيتك، احترم عقلك.

يا من تغاضيت عن فظائع قوى الأمن في قرية البيضا ببانياس عندما عُرضت أول مرة، ثم سارعت “لفضح التزييف” عندما ادّعى البعض أن ذلك إنما حصل في العراق وأن أبطال الفيلم هم من البشمركة والمارينز وأن الصوت قد دبلج على الصورة بهدف زرع الفتنة. وفي النهاية انتهى بك المطاف إلى التغاضي عن الأدلة التي تلت ذلك لتثبت أن ما جاء في الفيديو كان صحيحاً وأنه وقع فعلاً في بانياس… ألا ترى معي أن لديك مشكلة نفسية؟؟؟… احترم عقلك.

يا من يعتقد أن استغاثة تُرفع على مئذنة في فجر يوم دامٍ هي دعوة سلفية… احترم عقلك

يا من ينتقد وسائل الإعلام العربية والأجنبية لعدم المهنية، تذكّر أن كل أولئك يحرصون دوماً على استضافة متحدث رسمي (أو شبه رسمي) باسم السلطة مقابل استضافة أي معارض. بينما “يصدف” أن كل المتصلين والضيوف الذين يطلون على شاشات القنوات السورية هم من المدافعين الشرسين عن كل مكونات النظام في سورية… احترم عقلك.

يا من ما زلت تُسوق نكتة حبوب الهلوسة بعد أن رأبت “السكيتش الكوميدي” الذي عرضه أحد أفراد دورية الجمارك التي ضبطت شحنة حبوب مرسلة من قبل قناة الجزيرة… احترم عقلك إن كنت تصدق ذلك، وإن كنت تعتقد أن تهريب حبوب الهلوسة أمر واقع وإنما أضيف إليها شعار الجزيرة “لزيادة الأكشن” فكيف تثق بمن يكذب عليك ويسخر منك… احترم عقلك

يا من منحت باتريك سيل وسام الاستحقاق في النزاهة والمهنية الصحفية عندما قال أن الرئيس السوري بشار الأسد يقوم بثورة إصلاحات. لماذا لم تدافع عن بطلك عندما منعت السلطات السورية كتابه ” الأسد والصراع على الشرق الأوسط” من البيع في سوريا؟ ثم إن باتريك سيل نفسه خرج منذ أيام على البي بي سي ليعبر عن استغرابه “من الممارسات القمعية والحلول الأمنية” الممارسة في سورية. فهل أعجبك رأيه ذاك كسابقه؟ … احترم عقلك.

 يا من وجهت تهمة الخيانة للفنانين السوريين الذين قرروا أن يقفوا مع إخوانك في درعا المحاصرة مطالبين بإدخال المواد الأساسية وحليب الأطفال، قبل أن تقرأ ما سُمي استهزاءً بـ”بيان الحليب”… احترم ضميرك، احترم عقلك.

إن كنت مؤمناً بأن مقاطع الفيديو التي يتم تسريبها عبر الانترنت هي من صنع “الغرف السوداء” في تل أبيب وأخواتها من المدن المعادية، فلماذا إذن يُلاحق ويُعتقل كل من يحاول تصوير إي تظاهرة في حضرة الأمن؟… احترم عقلك.

إن كنت خرجت في نزهة شواء لتقنع نفسك بأن “الهدوء يعم المنطقة” متجاهلاً الدبابات والملالات التي تحاصر الحي المجاور والمظاهرات التي خرجت في الحي الأبعد… احترم عقلك.

ليس هذا إلا غيضاً من فيض الأسباب التي تدعوك إلى احترام عقلك

وأخيرا ً، بعد كل الذي رأيت في البلاد المجاورة وما حصل في ذكرى النكبة على حدود فلسطين، إن لم تكن مؤمناً بضرورة تعريف “المستحيل”… احترم عقلك.

أعود اليوم بذاكرتي إلى الثمانينيات من القرن الماضي عندما كنت طفلاً كسائر أقراني مشاكساً بل ومخرباً عن سبق الإصرار والترصد أحياناً. فقد تنازعت مراراً وتكراراً مع إخوتي الكبار، ومن منّا لم يخاصم أخاه في الصغر من أجل لعبة فيديو أبو برنامج تلفزيوني.

كسرت الكثير من الكؤوس؛ أضعت بعض أقلام والدي الثمينة؛ وخالفت الكثير من الأوامر. راودتني نفسي أكثر من مرّة “لأسرق” مفاتيح السيارة (كان للسيارة أكثر من مفتاح حينها) بالرغم من قِصَر قامتي وصغر سني؛ كان الوقوف عند عربة الفول مثلاً، من المحرمات في عرف عائلتي لأسباب صحية (ويمكن بريستيج أحياناً)، ولكن تلك المخالفة بالذّات كانت بطعم آخر… طعم مرقة الفول التي لا تُضاهى.

كل ما سبق وغيره كان من الصغائر (راسمالها بهدلة وزعلة يوم زمان)؛ عقاب يسير… فعفوٌ وغفران.

كنت دائماً ذلك الطفل الخارج عن القانون المنزلي(فاشل على مستوى السياسة الداخلية)، والمحبب في نفس الوقت. ربما كان شفيعي هو تفرّدي بين إخوتي على مستوى تأمين مستلزمات المنزل من الخارج ومرافقتي شبه الدائمة لوالدي في المجالس والمناسبات الاجتماعية حتى قبل بلوغي الخامسة من العمر (سياسة خارجية مميزة). ولكن الأمر لم يستمر على تلك الحال، فمشاكستي لم تقف عند حد الصغائر. أعترف أنني خططت ونفذت، أكثر من مرة، ما كان يُعتَبر خطّاً أحمراً لمن هم في سني، وفي كل مرة كنت أجتهد لإخفاء “جريمتي” ولكن دون جدوى. كنت أعتقد أنني أتمتع بالذكاء الكافي لإحاطة أعمالي بالسرية المطلقة، ولكن “الست الوالدة” كانت تُفاجئني دائماً بأنّ أنباءً وصلتها عمّا فعلت، وهنا كانت تقع المصيبة. كيف علِمَت؟ من أخبرها؟ لا أدري.

اليوم أنظر إلى تلك الأيام فأرى أن كل ما فعلتُه “لأخفي جريمتي” ما كان إلا أني حرصت على ترتيب فعلتي في غياب أي مراقبين محتملين. كنت أحسب أن نزولي إلى الطابق الأسفل من بيتنا لتفكيك إحدى ألعابي الجديدة (والباهظة الثمن نسبياً) سيبعدني عن الاستجواب حول دوافعي “لإهدار مال والدي” وهي نقطة كانت تفوق أهمية تخريب اللعبة بحد ذاتها. وفي نفس السياق كنت أظن أن إقفال باب غرفتي عند ممارسة هوايتي في تسلق الخزانة والقفز على سريري مروراً بجانب مروحة السقف، سيدفع عني تهمة “محاولة الانتحار” (بدك تقتل حالك إنت؟؟؟). ولكن… في نهاية المطاف، كانت أمي تلاحظ أن اللعبة الجديدة لم تعد تعمل… فيتم الاستجواب، وأن الخزانة بدأت تصدر أصواتاً غريبةً وأن السرير قد أصيب إصابات بليغةً… فلم يكن أمامي مهرب من تَقبُّل اتهامي بمحاولة الانتحار.

ومع مرور الزمن فهمت أن أمي(الله يخليلي اياها) كانت تكتشف فعائلي من خلال نتائجها التي لم تكن تدوم طويلاً حتى تظهر للعيان. بل وإن والدتي- بعد عدد من الحوادث المماثلة- أصبحت تعلم أن “مصيبة ما” توشك على الوقوع كلما اختفيت عن الأنظار. لم يكن ظنها في محلّه دائماً ولكنها كانت تصيب غالباً، ما دعاني إلى التخلي عن “استراتيجيتي” التي لم تصمد حتى أوائل التسعينيات.

أتعجّب اليوم من معالجة المسؤولين الإعلاميين في سوريا للأحداث الجارية بمنطق طفل أدرك قبل ما يزيد على عقدين من الزمن أن إخفاء الممارسات لا يمنع ظهور نتائجها. هل تعتقدون فعلاً أنكم بمنع الإعلام- الرسمي والمحلي والعربي والأجنبي- من تغطية الوقائع على الأرض ستُرجعون الزمن إلى حيث كانت وزارتكم هي المصدر الوحيد للمعلومة؟ ألم تسمعوا بكاميرات الهواة؟ ألم تروا الهواتف النقالة المزوّدة بكاميرات؟ بالله عليكم، هل تعلمتم شيئاً عن الإنترنت؟؟؟ أم أنكم ما زلتم تعيشون في “التاريخ”؟ هل اعتقدتم أن الشبكات الإخبارية المحترفة ستتخلى عن المواد الإعلامية التي يقدّمها الهواة بحجة أنها لا تتوافق مع المقاييس المهنية المتبعة فتقوم بالتالي بتجاهل الأحداث في سوريا؟ ألم تعلموا أن إهمال موضوع كهذا هو أشد كفراً ونفاقاً من الاعتماد على أفلام (يوتيوب) و (فيس بوك)؟

فإن كنتم تعتقدون أيّاً مما سبق، فتلك مصيبةٌ. أما إن راودكم شعور بأن موادكم (وأفلامكم) هي أكثر احترافية من محتوى الإنترنت، فالمصيبة أعظمُ.

اِعلموا أنّكم بتخفّيكم هذا (وهو ليس تخفّ على أية حال)، إنما تضعون أنفسكم في خانة الاتّهام لإخفاء “مصيبة ما” حتى وإن لم تكونوا بصدد ارتكاب شيء من ذلك. وتذكروا أن أمّي كانت تكشف فعائلي من خلال النتائج التي لم تكن تدوم طويلاً حتى تظهر للعيان.