شارلي ايبدو و مأساة موقفنا الأخلاقي

Posted: 10/01/2015 in Uncategorized
Tags: , , , , ,

انتهت الليلة معركة ‘شارلي ايبدو’ بين ثلاثة من الجهاديين الإسلاميين (و رابعة لم تظهر في المشهد بعد) و الحكومة الفرنسية.

خلافاً لمثيلاتها من العمليات الإرهابية في الفترة الأخيرة في ديجون و نانت الفرنسيتين و سيدني الأسترالية، بدأت هذه العملية بالهجوم على هدف محدد بعناية لتضع حداً لحياة عدد من فريق عمل صحيفة ‘ شارلي ايبدو‘ “انتقاماً للنبي محمد” كما ادعى منفذا العملية.

بعيداً عن هذه الخصوصية للعملية و أسبابها أو تداعياتها المباشرة، لعل من أهم الملاحظات في الأيام الثلاثة الأخيرة كان تناولنا للهجوم على منصات التواصل الاجتماعي بطريقة أظهرت عمق أزمتنا في بناء الرأي و اتخاذ المواقف، الأمر الذي من المؤكد أننا لم نمارسه و لم يمارسه آباؤنا على مدار ما يزيد على قرن من الزمن.

فمن صراعات السلاطين و الباشاوات و البكَوات و فساد الولاة بداية القرن العشرين في ظل الدولة العثمانية، إلى الحرب العالمية الأولى و الكذبة الأكبر في العصر الحديث – الثورة العربية الكبرى- التي دشنت حقبة الاستعمار الغربي تحت مسمى الانتداب، فالحرب العالمية الثانية، فالاستقلالات الشكلية التي تسلم فيها رايات الاحتلال ملوكٌ و أمراءُ و رؤساءُ انتقلوا بالبلاد بكل سلاسة من أشكال الاستعمار القديم إلى مبايعة الاستعمار الجديد، و هكذا من استعمار إلى استعمار لم تكن شعوب المنطقة إلا أدوات حرب و توليد ثروة للنخبة الحاكمة و ضماناً لاستقرار مصالح الاستعمار بكل أشكاله، دون مشاركة في الحكم أو تقرير المصير أو تقييم التحالفات التي تعود على الشعوب بالنفع و الفائدة. و من حيث أن مصالح “الديمقراطيات” الغربية لم تكن لتضرر باستمرار وكلائهم المستبدين في دول المنطقة، لطالما فضلت تلك الدول التعامل مع الدكتاتوريات الصديقة ضاربة بعرض الحائط كل ما تنادي به في عالمها الجديد من حرية و ديمقراطية و حقوق إنسان في مستعمراتها (و مستعمرات صديقاتها) القديمة. أضف إلى ذلك أدوات الاستبداد الديني من صوفية و سلفية و التي قدم من خلالها كل حاكم الصورة الوحيدة للتدين المشروع و عماده في كل الأحوال كان طاعة الحاكم و الرضوخ لولي الأمر و تعطيل العقل.

قرن كامل إذن، و يزيد، لم يتسنى خلاله لهذه “التكتلات البشرية”  أن تكوّن رأياً أو تتخذ موقفاً مبنياً على أسس موضوعية صحيحة على المستوى الشعبي. و قد امتد هذا ليومتا ليظهر جلياً واضحاً في تخبط المواقف من العملية الإرهابية، حتى في صفوف من يُحسبون على أصحاب التجربة النضالية أو المجتمعية.

من أغرب المواقف التي تصدرت المشهد، موقف أولئك الذين وقفوا بصرامة ضد العملية بدافع معاداتهم الشرسة لكل ما يصطبغ بصبغة القاعدة و شقيقاتها، فرفضوها بشكل قاطع  بل إن أصحاب هذا الموقف تحولوا بلمح البصر إلى أعتى مشجعي الكاريكاتير اللاذع و انهالوا على الفيسبوك و تويتر يعيدون نشر مواد الصحيفة يمنة و يسرى و كأنهم فُطموا على ‘شارلي ايبدو’.

آخرون ترددوا في انتقاد العملية لأسباب تتعلق بعدم انسجامهم مع توجه الضحية، و قد كان من السخرية بمكان أن هؤلاء انتموا لتيارين متناكفين، بل متعاديين، هما “الإسلاميون المحافظون” من جهة و اليساريون معادوا الإمبريالية الغربية من جهة أخرى. فالإسلاميون –رعاهم الله- لم يكونوا لينتقدوا قاتل من صوّر نبيّهم و أساء إليه فالتزموا الصمت بأحسن الأحوال. أما الرفاق اليساريون فرؤوا أنه لا يستقيم تسليط الضوء على مقتل اثني عشر فرنسياً في الوقت الذي يستمر فيه الغرب بقتل العشرات منا و بانحيازه للصهيونية، ناهيك عن استمراره في حياكة مخططاته الاستعمارية للمنطقة.

ولا يخفى على أحد بالطبع أولئك الذين لم يترددوا في التعبير عن انحيازهم لمنفذي العملية و باركوا لهم أعمالهم تحت شعارات سخيفة خاوية المعنى كمثل “كلنا محمد”و “فداك يا رسول الله”.

أمة تتراوح بين مواقف كهذه هي أمة مختلة تهذي لن تفرز إلا نماذج متصارعة تسير بها من دمار إلى دمار.

آن لنا إن كنا نسعى فعلاً لتحقيق قيم العدل و المساواة و حقوق الإنسان و سيادة القانون، أن نتقدم خطوة إلى الأمام فنحلل الأحداث الدائرة حولنا بموضوعية لنتمكن من معالجة ما تنطوي عليه من معطيات متقاطعة أو متضاربة، لنصل في النهاية إلى موقف يتفق مع ما ننادي به من قيم بغض النظر عن الأطراف المتفاعلة في الأحداث إياها و دون الشعور بالحاجة إلى الاصطفاف إلى جانب أي من تلك الأطراف.

لا شك أننا بغنىً عن أن نكون من المعجبين بفن ‘شارلي ايبدو’ ، أو أن نكون من أنصار المعسكر الإمبريالي حتى نصف ما حدث في باريس بأنه جريمة إرهابية. فلك أن ترى في تلك الرسوم مادة منحطة أخلاقياً، ولك أن تضعها خارج إطار حرية التعبير، ولك أن تعادي النزعة الاستعمارية لدى الغرب، ولك حتى أن تستمر في تسليط الضوء على دور الغرب في تنشئة الحركات الجهادية، فكل ذلك لا يتعارض بالطبع مع وصف الجريمة بما تستحق. إلا أنه من المؤكد أن إغفال الطابع الإرهابي للهجوم يتعارض بما لا يترك مجالاً للشك مع قيم المدنية و حق الإنسان في الحياة و عدم الإذعان لإرهاب السلاح… إن كنا نسعى لذلك فعلاً

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s