مخاض المعارضة – طريق الديمقراطية

Posted: 01/07/2011 in 15 March
Tags: , , , , , , , , , , , , , , ,

نصرة الشعب الليبي بدمشق، فاعتقال. اقتلاع أظافر الأطفال في درعا. احتجاجات. قتل. مظاهرات في مدن سورية عدة. يستمر القتل. انتشار الجيش. يزداد القتل. معارضة تتشكل في الخارج. لاجئون سوريون يتصدرون عناوين الأخبار وصفحات الصحف الأولى. النظام يدعو للحوار. قرارات جديدة. تطبيق وممارسات قديمة.

ثم تلتئم معارضة سورية في الداخل علناً بتاريخ 27 حزيران (يونيو) 2011 في أول تحرك من نوعه منذ عشرات السنين، فيتعقد المشهد السوري ويستعصي على فهم الكثيرين. لا المراقبون الخارجيون، لا الموالاة، لا المعارضة، لا التنسيقيات ولا الشارع، بات واضحاً أن كل أولئك عاجزون عن استيعاب المشهد كاملاً. تخبط الجميع يكاد يكون عنوان المرحلة.

تحاول السلطات استغلال المؤتمر لأسباب دعائية، فلا تمنع انعقاده في محاولة لإظهار مرونة النظام مع التحركات المعارضة. إلا أن هذه المحاولة سرعان ما باءت بالفشل بعد تسريب وفضح ممارسات التشبيح التي مورست ضد المؤتمرين وبعد تأكيد المؤتمرين عدم ارتباط مؤتمرهم بدعوات النظام للحوار الذي لا تتوفر أرضيته بحسب المعارضين.

فريق في الشارع الموالي اعتبر أن عقد مؤتمر من هذا النوع سيكون مدخلاً لـ “بيع سوريا” ودعوة لتدخل خارجي وكل ما قد يخطر ببال القارئ من أفعال خيانية ترتكب بحق الوطن. فريق موالٍ آخر أكثر اعتدالاً رأى في المؤتمر محاولة ماكرة لشد الأنظار بعيداً عما يرونه “تخريباً وتقويضاً للأمن” خلال المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام. فحسب أولئك، مؤتمر كهذا ليس إلا تغييراً تكتيكياً ينسجم مع أهداف “المؤامرة الكونية المحاكة ضد سوريا” والتي ترمي إلى إسقاط النظام. وكلي إيمان بأن فريقاً موالياً آخراً رأى في المؤتمر بارقة أمل نحو فجر ديموقراطي جديد.

أما أن يهاجم معارضون مؤتمر المعارضة!!! فتلك لا شك كانت مفاجأة للوهلة الأولى.

لن أطيل كثيراً في شرح نقاط الخلاف التي يعرفها جميعكم والتي تتلخص في أن البعض رأى أن المؤتمرين من خلال حوارهم ذاك قد سقطوا في فخ النظام الذي لا يريد برأيهم من وراء دعوات الحوار إلا أن يلتف على الانتفاضة الشعبية ويسنح الفرصة أمام المؤتمر ليستغلها إعلامياً ويتصدى من خلالها لمطالب الجمهور بعد تقنينها في قنوات ضيقة يسهل عليه التعامل معها. ولكن ما فات على أصحاب هذا الموقف أن المؤتمرين لم يحاوروا النظام وإنما كانت خطوتهم تلك مشاورات داخلية تهدف إلى تكوين رؤية مشتركة ومتوافقة للمرحلة الراهنة. ولأشد ما يحز في قلبي أن بعض المعارضين ذهب إلى تخوين المشاركين في المؤتمر واتهامهم بخيانة دم الشهداء. ولعل هذا الصدود ما نشأ إلا لكثرة ما مجّ الناطقون باسم السلطة كلمة حوار، حوار، حوار دونما شيء ملموس على الأرض حتى فقدت معناها و سئمها كل من يسمعها وشكك بفحواها أشد المؤمنين بها.

وبعد كل ذلك يأتي الموقف الأكثر اتزاناً، برأيي، من قاعة المؤتمر بفندق سمير أميس حيث وضع المشاركون أنفسهم في إطار الداعم والرافد لحراك الشارع الذي اعتبروه المحرك الرئيس لآلة التغيير. هم لم يقولوا أنهم يعبرون عن الشارع ولم يدّعوا أنهم ممثلون لجميع أطياف المعارضة، بل على العكس، أكّدوا على دور الجميع واستعدادهم للتعاون مع أي مبادرة وطنية، واعترفوا قبل كل ذلك بامتنناهم للحركة الشعبية ولدماء الشهداء التي لم يكن لهم أن يعقدوا مؤتمرهم ذاك لولاها. وفي عهد عقدوه على أنفسهم في ختام المؤتمر تعهّدوا بأن يبقوا جزءاً من انتفاضة الشعب السورية السلمية في سبيل الحرية والديمقراطية والتعددية ورفضهم للخيار الأمني لحل الأزمة.

وبين هذا وذاك تضطرب الصورة… تتشوش الأفكار… شعور بعدم الأمان يسود لبرهة… ثم نعلم أن سوريا تذهب بالاتجاه الصحيح. هل كان لأحد أن يصدق أن الأحداث ستتسارع بهذه الشدة في سوريا التي بقيت لأكثر من أربعين عاماً صامتة وساكنة كصفحة بحيرة في يوم ربيعي هادئ؟ في ظرف سوريا الحالي، من الطبيعي أن يتشكك المرء في أي تحرك حتى ولو كان في الاتجاه الصحيح بعد كل تلك السنوات من الجمود. فلعله كان من ضروب الجنون أن تسمع أحدهم يتكلم قبل أشهر عن حراك سياسي معارض في سوريا. حتى المتظاهرون الذين لاموا المثقفين لعدم مبادرتهم لأخذ دورهم في الانتفاضة، لم يصدقوا حقيقة أن حراكاً سياسياً معارضاً حقيقياً قد بدأ رغم أنهن كانوا بانتظار تحرك مماثل، فانتابهم شك تبدد عند بعضهم بعد إعلان البيان الختامي للمؤتمر في حين لا زالت بعض المخاوف المبررة تؤرق البعض حتى اليوم، إلا أن الوقت كفيل بفرز تيار سياسي جدير بثقة أصحاب المطالب وقادر على بلورة رؤيتهم وترجمة طموحاتهم على طريق تحقيق الدولة المدنية التي لا يقودها أفراد وإنما يقودها القانون والقانون فقط.

ربما أكون مفرطاً في التفاؤل، ولكنني أعلم أن لدي من إيماني بسوريا والسوريين ما يدعم تفاؤلي ذاك ويسلط الضوء على مؤشرات لا توحي لي إلا أن غداً مشرقاً متلهفاً لعناق سوريا ينتظر عند أول منحنى.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s